طنجة24_الرواية الشبابية في طنجة بين''صدى الذكريات''و''الشريفة''




الرواية الشبابية في طنجة بين''صدى الذكريات''و''الشريفة''

أضيف في 21 أبريل 2017 الساعة 05:00

سفيان الغانمي*

بلمسة الأديب الرقيق الإحساس، يأخذك كاتب المجموعة القصصية "صدى الذكريات" بين أزقة طنجة ويحكي لك حكايات من داخل المدينة القديمة، حكايات من الزمن الجميل، لا تمل وأنت تتبع نسيج القصص المحكمة الحبكة، بل تشعر وأنت تقرأ تلك المجموعة القصصية، وكأن الزمان عاد بك إلى "ناس زمان" لتستمع من فيهم لأحلى الحكايات، المضحكة منها والمحزنة، لكن كلها تحمل طابعا اجتماعيا لا يخلوا من عدة رسائل.

فوق ذلك تجد هناك تاريخا لم تدونه الكتب ولا الصحف، تاريخ ظل حبيس الذاكرة الشعبية، حتى تفتقت تلك الذاكرة عبر هذه المجموعة القصصية بنفس متقطع، لكنها في الأخير تنسج في لا وعيك صورة عن هذه المدينة الجميلة، المدينة التي امتزجت فيها جميع الثقافات المحلية منها والعالمية، طنجة هي مدينة الأحلام كانت ولا تزال، لا يمكن أن تمر بين أزقتها القديمة دون أن يعتريك ذاك الشعور المحير، لا تتمالك نفسك حتى تجد سيلا من الذكريات ينهمر فوق رأسك.

هكذا هي طنجة، مدينة تجمع بين العتاقة والأصالة، مدينة أراد لها القدر أن تقبع على رأس مفرق البحرين، وكأنها عروس بارزة فوق منصتها، تطل على المحيط كما المتوسط، بمعالمها السحرية ومآثرها الفنية تقبع بين جدران التاريخ آبية الانصياع، يؤمها السياح من كل حدب وصوب، مؤملين في تذوق جمالها الأخاد، كانت قبلة ولا زالت لكتاب وروائيين ورسامين وممثلين عالميين.

استطاع أديب طنجة أن ينقل جانب من تاريخها الذي لم تدونه الكتب، ولا حتى الروايات، صحيح أن شكري نقل جانبا من هذا التاريخ، لكنه اقتصر على تاريخ "الجناكة" وحياة اللهو والمجون عبر الأزقة المتسخة، وكذلك من حذا حذوه في هذا الجانب، أما تاريخ هذه العروس الطاهر، فاستطاع أن يخطه بمداد العفة، إبن "الشريفة" عبر حكاية سيرتها، والتي تعود بداياتها إلى عشرينيان القرن المنصرم.

عبر شخصية يونس البطل في رواية "الشريفة"، ثاني أعمال الأديب المبدع " يوسف شبعة" والذي لا زال يشق اسمه طريقا بين أبناء طنجة الخالدين، يأخذنا بلغة السائح بين أزقتها ليرجع بنا إلى بدايات حكاية "الشريفة"، قبل أن تكون، لكن الشقاء كان هناك، وكان هناك العذاب، كان هناك الذل، وكان هناك الاستغلال، لكن وكعادة معادلة الخير والشر، الذي خلق الله الكون على وفقهما لحكمة يعلمها سبحانه، سيبدأ الصراع ويستمر، هناك ستبدأ المعاناة منذ البداية، عذابات الشريفة التي لم تستطع أن تتذوق طعم الحياة الزوجية، إلا لبضع سنين، حتى تحل بها الفاجعة.

موت الزوج وبداية سنوات المعاناة، الشريفة التي ربيت في بيت الشرفاء، والتي لم تذق يوما طعم الشقاء، حتى جاء فارس أحلامها بخيره وجماله، لينقلها إلى حياة ثانية ثاوية في بيت العز والرخاء، لكنها ستفيق يوما ما على وقع المصيبة، موت الزوج وتركه لأيتام وراءه يجب رعايتهم، من بينهم أحد من دوي الاحتياجات الخاصة، فقرر أكبرهم ترك أحلامه الباريسية ليخرج للكفاح على إخوانه، لكن الشريفة لم يمهلها إخوان زوجها حتى تكمل عدتها بعد، حتى بدأت سنواة العذاب والمعاناة معهم والتي ستستمر حتى بعد زواجهم.

"الشريفة" شهدت أعتى أنواع المعاناة، من استغلال لخيرات زوجها، إلى سماعها صباح مساء لجميع ألوان الشتائم، لكنها صبرت واصطبرت، رعت أطفالها وحاولت أن تعوضهم ألم فقد الأب لكن أنى لها ذلك، فحرقة رحيل الأب لا يعرفها إلا من تجرع من كأس اليتم، فكيف إذا انضاف الى ذلك سوء الأعمام.

يونس السارد الرئيس في الرواية بعد تحمل سنين، تفتق نبعه الأدبي، بعدما كان قد حاول علاج تلك النفس المعذبة بين جوانحه، زار الطبيب النفسي وهو صغير، وبحث في كتب الفلاسفة وهو لم يكمل ربيعه الثامن، وتعرف على الأديان أمثال النصرانية واليهودية، وهو لا زال برعما تفتقت عن بذرته أرض الحياة، لكنه في الأخير سيهتدي إلى الوسيلة الوحيدة التي تخفف عن آلامه التي باتت تتراأى له كوابيس، كانت الوسيلة الوحيدة التي تخفف عنه الحكي وليس غيره، فكانت تلك الأعمال الرائعة والتي تبشر بمستقبل زاهر بالعطاء الأدبي.

هكذا كانت البداية مجموعة قصصية، عبارة عن نفس أدبي متقطع، في محاولة لسبر عوالم طنجة الخفي، لتتوج بعد ذلك برواية محكمة السبك، جيدة الأسلوب رائعة الترتيب، ما إن تبدأ اقتفاء اثر الحكاية فيها حتى تجد نفسك لا تستطيع أن تتركها، وكأنك إحدى السياح يقتفي أثر عبد المجيد، لا يستطيع مغادرة البازار الخاص به إلا ويده محملة بهدية ما، أو قطعة أثرية ربما جلد ثعبان أو زربية أو غيرها.

 هكذا هو أديبنا يتقن لغة دليل السياح، يستطيع أن يمسك بيدك ليتجول بك داخل معالم طنجة الأثرية، معرفا إياك بتاريخها المجيد، صراحة رواية الشريفة لا يمكن أن تقرأ بنفس متأن ويخرج سارد أحداثها خاوي الوفاض، رواية تحتاج إلى خبير في السياحة حتى يستطيع أن يتجول بك داخلها ويشرح لك معالمها، رواية تحمل أكثر من معنى، لا أبالغ إن قلت إنها من جنس" البؤساء" أو "المعدبون" فهي تحمل نفس الألم الذي يتدثر بلباس الأسى بين سطور تلك الرواياتان.

*طالب باحث من طنجة

 



تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- إشادة وتنويه

محمد رضا وشن

بصراحة أجد أن الروايتين شيء رارائع جدا سيرفع رأس الطنجاويين في الأدب أيضا.
ولكم أود أن أقرأهما لولا ظروفي الخاصة التي تمنعني من قراءة الكتب الورقية فتجعلني مكتفيا بالكتب المسموعة فقط.

في 22 أبريل 2017 الساعة 06 : 16

أبلغ عن تعليق غير لائق




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا

الدورة السادسة لمهرجان طنجة بلا حدود تنطلق نهاية شتنبر الجاري

أيــــــامُ الـتـنـمـــيـة الـمـسـتـدامــة الدورة الثـالثة 21 – 23 أكتوبر 2010

الدورة الرابعة لمهرجان سينما الناشئة بمدينة طنجة

" الاطفال في وضعية صعبة وأطفال الهجرة السرية" محور مناظرة متوسطية بطنجة

المسألة الدينية بالمغرب في ندوة فكرية بطنجة

باحثون يؤكدون بطنجة على دور الجهوية في الرقي بنظام الحكامة

افتتاح فعاليات المعرض الجهوي الأول للكتاب والنشر بمدينة طنجة

انطلاق فعاليات الدورة الثالثة من منتدى ميدايز وسط اتهامات للجهة المنظمة بالتطبيع

" أمبيرطو باستي" يحاضر بطنجة حول النباتات والأزهار في المدينة القديمة

تطوان تحتضن الدورة السادسة للفضاء المتوسطي للمسرح المتعدد