طنجة24_لغة الكلام - ذ . رضوان بنصار



لغة الكلام

ذ . رضوان بنصار
أضيف في 3 أكتوبر 2017 الساعة 14:07

في كثير من الأحيان نجد أنفسنا حائرين أمام انتشار بعض الظواهر اللغوية الهجينة التي انتشرت في صفوف أفراد المجتمع العربي، لاسيما الشباب منهم ، بل امتد الأمر لتتغلغل هذه الظواهر داخل جسم المؤسسات الحكومية والمرافق العمومية ، فلغة التخاطب، التي صارت معتمدة في زمننا هذا من طرف كل الشعوب العربية  بما فيها بلدنا المغرب ، يمكن أن نتناولها في سياق عام، المرتبط بالتحولات الكبرى التي يعرفها العالم ، والتي نلخصها في نظام العولمة المفروض على كل الشعوب والبلدان، والذي يقضي أن ننتظم جميعا في قالب اقتصادي وثقافي وسياسي وديني واحد وموحد ، إرضاء لبعض القوى الاقتصادية والعسكرية العالمية، التي شَرّعت هذا النظام بُغية توجيه بلدان العالم الإسلامي إلى الوجهة التي تخدم مصالحها الاستعمارية ، كنشر الثقافة الغربية المهيمنة على ثقافة شعوبنا العربية  ، وهنا نستحضر اللغة، باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الثقافة ، كما أن اللغة  تربط بين الثقافة وأبناء بيئة تلك الثقافة ، ويمكن اعتبارها كذلك الوسيلة الأولى لنقل الثقافة خارج حدودها، لذا فإن ما يترتب عن العولمة الثقافية هو هذا الربط بين الثقافة واللغة،واختفاء الحدود الثقافية واللغوية بين الأمم والشعوب ، حيث أن الإنسان في هذا العصر لم يعد ينتمي إلى ثقافة أرضه ودينه، وإنما ينتمي إلى الثقافة السائدة دوليا، فإذا قمنا بعملية الفحص الدقيق لمكونات اللغة المعتمدة من طرف البلدان العربية، فسنجدها عبارة عن فسيفساء لغوية أو خليط غير متجانس من المعاجم، بحيث نجد العديد من الشباب العربي، يرى في اللغة الأجنبية خلاصه الديني والدنيوي، فإذا حاورت شابا مشرقيا في جلسة علمية أو أدبية، فستصاب بِدُوار شديد جراء إقحامه ومزجه بشكل مستفز في خطابه بين المعجم الانجليزي، وبين المعجم العربي، أو العامي، إن صح التعبير، نفس الشيء يمكن ملاحظته لدى الشعوب المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط ، فمثلا نجد في بلدنا المغرب طغيان المعجم الفرنسي واللغة الفرنسية على الحوار اليومي، لا سيما ممن أخذ جرعات من الثقافة الفرنسية الغربية من بني جلدتنا، بطريقة أو بأخرى، وكذا المعاملات الإدارية ، فهذا الأمر ، أو هذا الانفصام في الشخصية اللغوية الذي أضحى المغرب عرضة له ، يصبح جليا  ومكرسا على أرض الواقع من خلال مشاركة بعض الشخصيات، السياسية والحكومية والعلمية المغربية ، في محافل دولية  أو إقليمية ، حيث يتناولون مداخلاتهم و خطبهم باللغة الفرنسية ، إيمانا منهم أن إتقانهم للغة الأجنبية دليل على نضجهم السياسي ورقيهم الحضاري ، وفي نفس الوقت ليحضوا باحترام وتقدير ذاك الأجنبي ، مع العلم أن السياسي المحنك والمثقف الرصين الذي يساهم في نشر ثقافته وإيصالها إلى أبعد الحدود ، هو من يفرض لغته الأم في المحافل الدولية ، حيث يفرض على المشاركين والمتتبعين لأطوار أي ملتقى دولي ، سواء كان علميا أو دبلوماسيا ، استخدام الترجمة الفورية ،أو يكلفهم عناء تعلم وإتقان لغته الأم، وذلك ليفهموا ويتفهموا الخطاب أو الرسالة  الموجهة إليهم ولبلدانهم .

إننا اليوم نعيش واقعا لغويا مترديا، ساهم فيه بشكل فادح الاستعمار الأجنبي، الذي حاول جاهدا طمس هويتنا الدينية والثقافية من خلال النيل من اللغة العربية، وكذلك إعلامنا الموجه الذي يعمل لأجندات أجنبية فرانكفونية ومحلية،نفس الشيء بالنسبة لمؤسساتنا التعليمية ومناهجها التربوية، التي فقدت بوصلة الإصلاح  والتوجيه، وهذا ما لاحظناه من خلال التجارب الإصلاحية  التي عرفها قطاع التربية والتعليم منذ سنين عديدة، والتي كان مآلها الفشل الذريع ، بالإضافة إلى الاستعمال الغير الصحيح للوسائل التكنولوجية من طرف  الأطفال والشباب ، فمنذ عقود خلت قبل أن تجتاح التكنولوجيا أسواق المغرب ،كان جل المتعلمين يطاردون المعلومة أينما وجدت،حيث كانت المصادر والمراجع الورقية سبيلهم الوحيد يساعدهم على إنجاز التقارير والبحوث، وهذا ما كان يمنحهم قدرة على تحسين ملكتهم اللغوية والتواصلية ، بينما اليوم صارت لمواقع التواصل الاجتماعي وخدمة “ جُوجل “ القدرة على تزويد الطلاب بمختلف المواضيع والعناوين، في زمن قياسي، بنقرة أصبع، ولكن الطامة الكبرى حين يضع المتعلم ثقته الكاملة في بعض المواقع الالكترونية والمنتديات الثقافية، التي تشفي غليله البحثي إلى درجة تصير فيها المعلومة مطاردة بدل أن يطاردها هو ، كما سلف الذكر، فالاستنساخ المباشر للمواضيع وللبحوث من جهاز الحاسوب دون مراجعة وتنقيح ، قد يوقع المتعلمين في عدة مزالق من بينها تبني الخطأ و التسليم بالتأويلات المتعمدة ، وخصوصا المرتبطة بالدين ، كما أن التواصل اليومي مع كل الأجناس البشرية، والغير المحدد في الزمان والمكان، عبر وسائل التواصل الاجتماعي من طرف فلذات أكبادنا، ساهم في تبنيهم  لمعجم لغوي تواصلي خاص بهم ، حارت معه كل التجارب العلمية واللسانية في فك طلاسيمه، وهذا ما جعلهم لا يحسنون لغة الكلام والتخاطب .

 



تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- NO COMMENT

مرشان

كل ماسينا واخفقاتنا وجهلنا وتخلفنا ننسبه الى الاستعمار.السؤال الذي يفرض نفسه: كيف كان حالنا قبل ان يدخل الاستعمار ?. ولماذا الاستعمار استعمرنا ولم نستعمر نحن الدولة التي استعمرتنا?.الجواب :اننا كنا وما زلنا ضعفاء متخلفين , وذلك سهل على الاستعمار ان يستعمرنا. لذلك نطلب ان لا نعلق اسباب تخلفنا وانحطاطنا على الاستعمار . اني ارى لو كان الاستعمار ما زال موجودا بيننا , فحالنا سيكون احسن بكثير على ما نحن عليه الان .

في 03 أكتوبر 2017 الساعة 30 : 18

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- ياليتهم

مسافر

الاستعمار رحمة للعالم الثالث . العالم الثالث ما زال قاصرا يحتاج لمن يأخذ بيده . الاستعمار كان رحمة ونعمة علينا, الا ان اباءنا ارتكبوا خطأ لا يغتفر حينما غرروا بهم ودوخوهم وطلبوا منهم ان ينادوا ويطالبوا بالاستغلال  ( الاستقلال  ).خرج الاستعمار  ( النعمة  ) وجاء الاستغلال  ( الاستقلال  )  (النقمة  ). لقد جنى علينا اباؤنا , وهم السبب فيما نحن فيه الان . يا ليتهم ما طلبوا بالاستغلال  ( الاستقلال  ) .

في 04 أكتوبر 2017 الساعة 18 : 08

أبلغ عن تعليق غير لائق


3- ...في تخلفهم ينعمون

طوريس

حينما اسمع المغاربة في بعض البرامج يخلطون ويدمجون الدارجة مع الفرنسية في أحاديثهم ظنا منهم ان هذا يعبر عن منزلتهم , ( ومنزلتهم في الحضيض بين الامم  ), اشفق على حالهم , واقول هذا مرض من امراض العالم الثالث . هنا في اروبا حيث اعيش , الاروبيون لا يرضون للغتهم بديلة . والمغاربة يسيرون عكس التيار . لذلك تراهم في تخلفهم ينعمون .

في 05 أكتوبر 2017 الساعة 53 : 04

أبلغ عن تعليق غير لائق




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا

قوة التغيير - فيصل العمراني

أذكروا ولاتـــكم بخير.. !! - محمد سدحي

انحســــــار السياســـــــــة - عبد القادر زعري

قوة التغيير 2 - فيصل العمراني

هل تعود طنجة سياحية ؟ - خالد الرابطي

الوزير الخلفي يصب "الخل" في... !! - محمد سدحي

مساجد المشاكل ومشاكل المساجد - يوسف شبعة

أسرى العهد الجديد - حمزة البقالي

"نوض تقرى" وبجانبها أشياء أخرى.. - يوسف شبعة

هل تحتكر الأحزاب السياسية ممارسة السياسة ؟ - عبد القادر زعري