تتجه التحقيقات القضائية الجارية في إسبانيا بشأن أحداث الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، نهاية يوليوز الماضي، نحو التدقيق في الاتصالات التي سبقت الأزمة بين السلطات المحلية ورئاسة الحكومة في مدريد، في تطور جديد يعيد إلى الواجهة الجدل بشأن التحذيرات المبكرة ومدى استجابة الأجهزة الحكومية للمؤشرات التي كانت تنذر بتدفق غير مسبوق للمهاجرين.
وفي هذا السياق، أمرت القاضية ماريا تاردون، بالمحكمة الوطنية الإسبانية، بتقديم السجلات الهاتفية للاتصالات التي جرت بين رئيس حكومة سبتة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أو مدير مكتبه، خلال الفترة الممتدة من 27 إلى 30 يوليوز 2026، بهدف التحقق من المعطيات التي قدمها المسؤول المحلي خلال الاستماع إليه في إطار التحقيق.
ويأتي هذا الإجراء القضائي في أعقاب ظهور روايتين متباينتين بشأن طبيعة التواصل بين سبتة ومدريد خلال الأيام التي سبقت موجة العبور الجماعي، إذ تؤكد السلطات المحلية أنها وجهت تحذيرات متكررة بشأن تدهور الوضع على الحدود، بينما تتمسك الحكومة المركزية بأنها تعاملت مع الاتصالات الواردة إليها في الوقت المناسب، ولم تتجاهل طلبات التدخل.
وكان فيفاس قد أفاد، خلال مثوله أمام المحكمة الوطنية الإسبانية يوم 30 شتنبر الماضي، بأنه حاول مرارا تنبيه المسؤولين الحكوميين إلى التطورات الميدانية التي كانت تشهدها المنطقة الحدودية، خصوصا مع تزايد محاولات العبور غير النظامي، معتبرا أن السلطات المركزية لم تمنح تلك المؤشرات ما تستحقه من اهتمام قبل تفاقم الوضع.
وبحسب الإفادة التي قدمها المسؤول الإسباني، فقد جرت نحو عشر محاولات للتواصل مع رئاسة الحكومة خلال الأيام الأربعة السابقة للأزمة، غير أن ثلاثا منها فقط أسفرت عن اتصالات مع مدير مكتب سانشيز، دون التمكن من التحدث مباشرة إلى رئيس الحكومة إلا يوم 30 يوليوز، بالتزامن مع بداية التدفق الجماعي.
وتشير المعطيات التي عرضها فيفاس إلى أن أول اتصال موثق جرى صباح 27 يوليوز، عند الساعة الثامنة و39 دقيقة، بين مدير مكتبه بابلو غارسيا ونظيره في رئاسة الحكومة الإسبانية دييغو روبيو، واستمر نحو ست دقائق، جرى خلالها، وفق روايته، نقل المخاوف المرتبطة بالتطورات المتسارعة على الحدود.
وأوضح رئيس حكومة سبتة أن الاتصالات اللاحقة لم تفض إلى اتخاذ الإجراءات الاستثنائية التي كانت تطالب بها السلطات المحلية، ومن بينها تعزيز الانتشار الأمني وإقامة قيادة موحدة لتنسيق التدخلات، فضلا عن دراسة إمكانية إعلان حالة طوارئ لمواجهة التدفقات المحتملة.
وامتدت مساعي المسؤول المحلي، وفق شهادته، إلى عدد من القطاعات الحكومية، شملت وزارات الداخلية والخارجية والسياسة الترابية، قبل التواصل مع وزارة الدفاع يوم وقوع الأحداث، في محاولة للحصول على دعم إضافي لمواجهة الضغط المتزايد على الأجهزة الأمنية ومرافق الاستقبال بالمدينة.
وفي المقابل، سارعت رئاسة الحكومة الإسبانية إلى تقديم روايتها الخاصة بشأن الاتصالات، مؤكدة أن مكتب سانشيز تبادل تسع مكالمات مع مكتب رئيس سبتة بين 27 و30 يوليوز، وأن الاتصالات الواردة جرى التعامل معها بصورة فورية أو خلال دقائق معدودة.
واعتبرت الحكومة المركزية أن ما وصفه فيفاس بمحاولات متكررة لم تلق استجابة لا يتطابق مع السجلات المتوفرة لديها، موضحة أن طلب التواصل المباشر مع رئيس الحكومة لم يقدم، بحسب روايتها، إلا يوم 30 يوليوز، وأن الاتصال بين المسؤولين تم بالفعل في اليوم نفسه.
وأمام هذا التضارب، تسعى المحكمة الوطنية إلى الحصول على وثائق يمكن اعتمادها في إعادة بناء التسلسل الزمني للاتصالات، وتحديد توقيتها ومدتها والأطراف المشاركة فيها، بما يسمح بمقارنة الإفادات المقدمة أمام القضاء مع المعطيات التقنية المتوفرة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن التحقيق لم يعد يقتصر على ظروف وقوع موجة الهجرة الجماعية، بل أصبح يشمل أيضا كيفية انتقال المعلومات بين مختلف مستويات المسؤولية، ومدى ترجمة التحذيرات الواردة من السلطات المحلية إلى قرارات عملية على مستوى الحكومة المركزية.
وفي تطور متصل، أعلنت سلطات سبتة استعدادها لتقديم وثائق موثقة تتعلق بالمكالمات والرسائل ومحاولات التواصل مع المؤسسات الحكومية الإسبانية، بما فيها رئاسة الحكومة والوزارات المعنية، وذلك في إطار تعاونها مع التحقيق القضائي الجاري.
وتعيد هذه التطورات طرح تساؤلات بشأن طبيعة المعلومات التي كانت متوفرة لدى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسبانية قبل 30 يوليوز، خصوصا بعد الكشف عن مراسلات وتحذيرات سابقة تحدثت عن احتمال ارتفاع محاولات العبور نحو سبتة، دون أن تتضمن بالضرورة تقديرات دقيقة لحجم التدفق الذي وقع لاحقا.
وكانت معطيات نشرتها وسائل إعلام إسبانية قد أشارت إلى توجيه تقارير وتحذيرات خلال النصف الثاني من يوليوز، تضمنت مؤشرات بشأن تنامي الضغط على الحدود، فضلا عن رصد دعوات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحث على التوجه نحو المدينة ومحاولة دخولها برا وبحرا.
وفي هذا الصدد، برزت إفادات مسؤولين سابقين في الإدارة الحكومية بسبتة تحدثوا عن مراسلات رفعت إلى الجهات المركزية يومي 16 و24 يوليوز، تضمنت طلبات لتعزيز الإجراءات الوقائية، وهو ما يفتح المجال أمام التحقيق لتحديد الجهات التي توصلت بهذه المعلومات وطبيعة القرارات التي اتخذت على أساسها.
وتتمحور إحدى القضايا الأساسية التي يثيرها الملف حول التمييز بين توفر معلومات عن احتمال وقوع اضطرابات على الحدود، والقدرة الفعلية على توقع حجم الأحداث وتوقيتها، وهي مسألة أصبحت حاضرة بقوة في السجال بين الحكومة الإسبانية وخصومها السياسيين.
وكانت سبتة قد شهدت، يومي 30 و31 يوليوز الماضي، موجة عبور جماعي غير مسبوقة، دفعت السلطات الإسبانية إلى تعبئة موارد أمنية وعسكرية إضافية، في وقت واجهت فيه مرافق الاستقبال والخدمات الاجتماعية ضغطا كبيرا، خصوصا مع وجود أعداد مهمة من القاصرين غير المصحوبين بذويهم.
ووفقا لمعطيات أعلنتها السلطات الإسبانية عقب الأحداث، فقد دخل عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المدينة خلال فترة وجيزة، قبل عودة الغالبية إلى المغرب، بينما استمرت صعوبات تدبير أوضاع المهاجرين الذين بقوا داخل سبتة، ولا سيما القاصرين الذين يخضعون لإجراءات حماية خاصة بموجب التشريعات الإسبانية.
ولم تنحصر تداعيات هذه التطورات في الجانب الأمني، إذ أثارت الأزمة نقاشا واسعا بشأن قدرة السلطات المحلية على استيعاب التدفقات المفاجئة، وحدود مسؤولية الحكومة المركزية في توفير الموارد اللازمة للتدخل، فضلا عن الإشكالات القانونية والإنسانية المرتبطة باستقبال المهاجرين وإجراءات إعادتهم.
كما امتدت تداعيات الأحداث إلى المجال الحقوقي، بعد إثارة اتهامات تتعلق بطريقة التعامل مع بعض المهاجرين خلال عمليات التدخل والإعادة، وهي اتهامات دفعت منظمات حقوقية ومسؤولين أمميين إلى المطالبة بتحقيقات مستقلة لتحديد ملابسات الوقائع المنسوبة إلى بعض عناصر الأجهزة المكلفة بتدبير الأزمة.
ويضع هذا التداخل بين الأبعاد الأمنية والقضائية والإنسانية السلطات الإسبانية أمام تحديات متعددة، تتعلق من جهة بتوضيح المسؤوليات المرتبطة بالتدبير الاستباقي للأحداث، ومن جهة ثانية بضمان احترام الالتزامات القانونية في التعامل مع المهاجرين وطالبي الحماية الدولية.
وعلى المستوى السياسي، تحولت الأزمة إلى أحد الملفات المثيرة للجدل داخل إسبانيا، في ظل تبادل الاتهامات بشأن كفاءة منظومة الإنذار المبكر والتنسيق المؤسساتي، ومدى جاهزية السلطات لمواجهة تطورات استثنائية على الحدود الجنوبية للبلاد.
ومن شأن فحص سجلات الاتصالات المطلوبة قضائيا أن يساعد في توضيح جانب من هذا الخلاف، غير أن تحديد المسؤوليات المحتملة يظل مرتبطا بنتائج التحقيق وبمدى توفر أدلة تثبت وجود تقصير في التعامل مع المعلومات والتحذيرات السابقة للأحداث.
وبذلك، تدخل أزمة سبتة مرحلة جديدة من المتابعة القضائية، بعدما انتقل الاهتمام من التدخلات التي رافقت موجة العبور الجماعي إلى القرارات والاتصالات التي سبقتها، في انتظار ما ستكشفه الوثائق والشهادات بشأن مستوى التنسيق بين السلطات المحلية والحكومة الإسبانية خلال الأيام الحاسمة التي سبقت أحداث نهاية يوليوز.






