بين من يرى في موسمها الثقافي رافعة للاقتصاد المحلي ومن يسائل نصيب السكان من عائداته، تختبر أصيلة قدرة مشروع بدأ سنة 1978 على تحويل نجاحه الدولي إلى فرص عمل وحياة اقتصادية تستمر طوال العام.
لم يكن أشرف، الذي يعمل مساعدا لتاجر في المدينة العتيقة بأصيلة، ينظر إلى زوار الموسم الثقافي بالطريقة نفسها التي ينظر بها إليهم الفنانون والمسؤولون عن تنظيمه. فالحركة التي تشهدها شوارع المدينة خلال التظاهرة لا تعني بالضرورة أن المحلات التجارية تحقق مبيعات تكفي لتعويض فترات الركود، ولا أن كل من يمر أمام واجهات المتاجر يتحول إلى زبون.
يتحدث هذا الشاب الزيلاشي عن الرواج الذي يصاحب التظاهرة بعبارة مختصرة: “ماشي شي رواج كيما كتسمع”. ويقصد أن كثيرا من الزوار، بحسب تجربته، يتجولون ويسألون عن الأسعار ثم يمضون من دون شراء، بينما يظل التجار مطالبين بتغطية مصاريف محلاتهم وانتظار فرص أخرى للبيع.
ولا يعترض أشرف على حضور المثقفين والفنانين إلى أصيلة بقدر ما يبحث عن نصيب أوضح لأبناء المدينة في الأنشطة التي تحتضنها. فبالنسبة إلى شاب يعتمد دخله على التجارة، لا يتحدد النجاح بعدد الشخصيات التي يستضيفها الموسم أو جنسيات المشاركين فيه، وإنما بما تتركه هذه الحركة من مداخيل وفرص للعمل.
على الجانب الآخر من التجربة، يقدم الفنان التشكيلي يونس الخراز صورة مختلفة لما استطاع الموسم أن يحققه لأحد أبناء أصيلة. فقد بدأ علاقته بالفن طفلا داخل الورشات التي فتحتها المدينة أمام الصغار منذ السنوات الأولى للمشروع الثقافي، قبل أن يتابع تكوينه الفني ويصبح اسما معروفا في الأوساط التشكيلية المغربية.
ويعود الخراز إلى أصيلة في خريف 2026 ليعرض أعماله داخل رواق محمد بنعيسى للفنون الجميلة، في محطة يصفها بأنها “عصارة سبعة وأربعين سنة” من الاشتغال والتجربة. لم تكن ورشات الموسم بالنسبة إليه مجرد مناسبة عابرة للرسم، بل بداية مسار مهني قاده إلى دراسة الفنون وعرض لوحاته داخل المغرب وخارجه.
> “بينما استطاعت أصيلة أن تتيح لبعض أبنائها فرصا للتكوين والانفتاح الفني، بقيت فئات أخرى تقيس حصيلة التجربة بما توفره من عمل ودخل واستقرار اقتصادي”
لا تقدم تجربة أشرف حكما نهائيا على حركة التجارة اليوم، كما لا تكفي مسيرة الخراز لقياس ما حققته الورشات الفنية لجميع الأطفال. لكن الجمع بين التجربتين يكشف اختلافا ظل يرافق المشروع الثقافي منذ تأسيسه، ويكتسب أهمية خاصة في مدينة يزيد عدد سكانها قليلا على 36 ألف نسمة، وراكمت شهرة ثقافية تتجاوز حجمها الديمغرافي.
فمنذ سنة 1978، ارتبط اسم أصيلة بلقاءات فكرية دولية، ومشروع لتأهيل المدينة العتيقة، وجداريات تتجدد على واجهات منازلها، فيما تطور النشاط السياحي حول المكانة التي اكتسبتها. وفي أكتوبر الحالي، تتواصل الدورة الخريفية للموسم لتستقبل ضيوفا يختلفون في طبيعة زيارتهم عن المصطافين الذين يقصدون شواطئها صيفا.
غير أن الأشهر التي تفصل بين المواعيد الثقافية والمواسم السياحية تحمل حسابات أخرى بالنسبة للأسر التي تعتمد على الكراء الموسمي، والتجار الذين يؤدون مصاريف ثابتة، والعاملين بفرص مؤقتة. فلم يعد السؤال مقتصرا على ما حققه الموسم من شهرة، بل امتد إلى طبيعة الاقتصاد الذي ساهم في نشأته.
حين غيرت الثقافة المدينة
لم تكن أصيلة التي عرفها الفنان محمد المليحي والدبلوماسي محمد بنعيسى خلال سبعينيات القرن الماضي تشبه المدينة التي أصبحت مقصدا للفنانين والسياح. فالمدينة العتيقة كانت تعاني تدهور حالة أجزاء من عمرانها، فيما احتاجت الشوارع والمرافق إلى الصيانة.
وتستعيد المؤرخة والناقدة الفنية الإيطالية طوني مارايني، التي شاركت في التأسيس، تلك المرحلة باعتبارها بداية نقاش حول تحسين حياة السكان. وتقول إن المؤسسين كانوا يبحثون عن وسيلة تجعل الفنون جزءا من التنمية المحلية، واختيار تسمية “موسم” جاء من الرغبة في ربط الأنشطة بالمشاركة الجماعية.
أراد محمد بنعيسى والمليحي أن تشارك أصيلة في إنتاج النشاط الثقافي، وأن يصبح سكانها جزءا من مشروع التأهيل. امتدت المبادرة إلى ورشات الرسم والطباعة الفنية، وشارك السكان في تحسين واجهات المباني. وتشير مارايني إلى أن مرسم الأطفال بدأ بنحو 20 مشاركا، ليصل خلال السنوات الأولى إلى نحو 250 طفلا.
لم تكن المكاسب محصورة في الجانب الفني؛ فقد ساهم المشروع في إعادة الاعتبار للمباني التاريخية، وظهور أنشطة تجارية مرتبطة بالزوار. وتجد هذه الشهادة ما يعززها في تتويج مشروع تأهيل أصيلة بجائزة “الآغا خان” للعمارة سنة 1989، اعترافا بتجربة تعبئة محلية جمعت بين الحفاظ على التراث والمبادرات الثقافية.
لكن نجاح المشروع الحضري طرح أسئلة أخرى مع مرور السنوات. تناولت الباحثة سارة دورنهوف تجربة أصيلة في دراسة أكاديمية، مبرزة مساهمتها في التجديد الحضري، لكنها توقفت عند الانتقادات التي صاحبت توظيف الثقافة في التسويق للمدينة، والتداخل بين المبادرات الفنية ومراكز القرار السياسي.
وقد ارتبط المشروع لسنوات بشخصية محمد بنعيسى، الذي جمع بين المسؤوليات الدبلوماسية وقيادة مؤسسة منتدى أصيلة ورئاسة المجلس الجماعي. هذا الارتباط أتاح تعبئة دعم مؤسساتي، لكنه أثار نقاشا حول طبيعة مشاركة السكان في تحديد الأولويات التنموية.
يرى الناقد والباحث يحيى بن الوليد أن قراءة تجربة أصيلة تحتاج إلى استحضار السياق السياسي الذي نشأت فيه نهاية السبعينيات. ويربط جزءا من انتقاداته بتفاوت بين الصورة الدولية للمدينة والحاجيات الاجتماعية للسكان، وهي قراءة تثير مسألة موقع السكان داخل مشروع جعل المجال الحضري نفسه جزءا من النشاط الثقافي.
فترميم منزل تاريخي يرفع قيمته، وهو مكسب لمالكه، لكنه لا يعني أن جميع السكان يحققون المنفعة ذاتها. تختلف وضعية التاجر الذي يملك محله عن الحرفي المطالب بأداء الكراء الشهري، مما يجعل التحولات العقارية داخل المدينة العتيقة جزءا من تقييم الأثر الاجتماعي للجاذبية الثقافية.
الرواج الذي يختلف عليه السكان
ويدافع حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، عن التجربة انطلاقا من أثرها الاقتصادي، معتبرا أن الموسم أحدث “وقعا اقتصاديا ملموسا” ويشكل رافعة للنشاط التجاري. ويؤكد أن المؤسسة تسند معظم الخدمات المرتبطة بتنظيم برامجها إلى مقاولات محلية.
يستند هذا الدفاع إلى طبيعة الحركية التي يولدها تنظيم تظاهرة دولية في مدينة محدودة الحجم، حيث يمثل الموسم فرصة للمقاولات للحصول على طلبات توسع نشاطها. لكن قيمة هذه الحركة لا تقاس بإجمالي إنفاق الضيوف فحسب، بل بحجم ما يبقى داخل الاقتصاد المحلي وطبيعة فرص العمل المحدثة.
كما أن انتعاش نشاط الإيواء لا يعني بالضرورة ارتفاع مداخيل جميع الأسر. فالاستفادة ترتبط بامتلاك عقار، بينما تعتمد فئات أخرى على الأجور أو المبيعات اليومية. وهنا تظهر أهمية ملاحظة التاجر أشرف؛ فالرواج المقاس بعدد الزوار لا يتطابق دائما مع حجم المبيعات والأرباح.
> “لا يتعارض وجود أثر اقتصادي للموسم مع استمرار الحاجة إلى فرص عمل إضافية، كما لا يشكل الطلب الموسمي دليلا على صمود الاقتصاد المحلي طوال السنة”
يتساءل الشاعر والصحفي إدريس علوش، وهو من أبناء أصيلة، عما إذا كان الموسم قد “حقق التنمية المنشودة؟”. ينتقد علوش الفجوة بين الإشعاع الإعلامي الواسع للمدينة ومحدودية فرص العمل والموارد المستقرة المتاحة لأبنائها، رافضا أن تكون القيمة الثقافية بديلا عن فحص الأوضاع الاجتماعية.
وتتأثر المردودية الاقتصادية للمدينة أيضا بعوامل تخرج عن اختصاص المؤسسة الثقافية، كالسياسات المحلية للاستثمار والتجهيزات. فقد ارتفع عدد سكان جماعة أصيلة، وفق الإحصاء العام للسكان والسكنى، من نحو 31 ألف نسمة سنة 2014 إلى أزيد من 36 ألفا سنة 2024، ونما عدد الأسر بوتيرة أسرع، مما يفرض حاجيات متزايدة في السكن والخدمات وفرص العمل لا يستطيع النشاط الثقافي وحده تلبيتها.
ما بعد بنعيسى.. أي نموذج اقتصادي؟
يفتح رحيل محمد بنعيسى مرحلة جديدة في تاريخ أصيلة. انتقل تدبير مؤسسة منتدى أصيلة إلى حاتم البطيوي، فيما تولى طارق غيلان رئاسة المجلس الجماعي، ليصبح مستقبل المشروع الثقافي والاقتصاد المحلي موضوعا تتقاسمه مؤسسات مختلفة.
لم تتوقف فعاليات الموسم، واستمرت ورشات الأطفال والمعارض. لكن انتقال المسؤولية ترافق مع ارتفاع سقف الأسئلة المتعلقة بتحويل الرصيد المتراكم إلى فرص اقتصادية أوسع.
يقر طارق غيلان بأن الموسم ساهم في تكوين أجيال، مستحضرا حصوله في طفولته على فرشاة رسم من إحدى الفنانات المشاركات. لكن رئيس المجلس الجماعي يربط المحافظة على هذا الإرث بضرورة “الانتقال من الإشعاع الثقافي إلى اقتصاد للثقافة والمعرفة والإبداع”، مشددا على البحث عن مجالات استثمار متنوعة لتوسيع الاقتصاد المحلي.
يأتي هذا الخطاب بينما تراهن أصيلة على مشروع “منطقة الأنشطة الاقتصادية المندمجة”. تشير معطيات وزارة الصناعة والتجارة إلى أن المنطقة تمتد على 62 هكتارا وتستهدف أنشطة صناعية وحرفية. ويورد المركز الجهوي للاستثمار لجهة طنجة تطوان الحسيمة معطيات عن 115 بقعة أرضية وتسجيل 22 مقاولة ضمن المرحلة الحالية.
ورغم دخول المشروع مسارا استثماريا متقدما وتجاوزه للصعوبات العقارية، تظل التوقعات مرهونة ببداية الإنتاج الفعلي وتحديد حجم فرص الشغل المباشرة لأبناء المدينة. ويمثل هذا الاستثمار توجها يختلف عن اقتصاد الموسم الثقافي، لكونه يستهدف توفير نشاط طوال السنة.
ولا يعني تنويع الاقتصاد أن المشروع الثقافي فقد قيمته. فالمنازل التي جرى تأهيلها، والجداريات، والمرافق الثقافية، والعلاقات الدولية، أصبحت رصيدا راسخا للمدينة. لكن انتقال النقاش نحو الاستثمار والتشغيل يعكس تغير الحاجيات بعد نصف قرن من التجربة.
ومع اقتراب إسدال الستار على الدورة الخريفية الحالية، تعود الفوارق للظهور في الحسابات اليومية؛ مقاولات تبحث عن عقود جديدة، وتجار يواجهون تراجع الطلب. نجحت أصيلة في بناء اسم ثقافي عالمي، لكنها تقف اليوم أمام تحدي صياغة اقتصاد يستثمر هذه الشهرة، دون أن يظل مرتهنا بمواعيد الاحتفاء بها.







