وضعت قضية أوراق التصويت بمؤسسة القدس في طنجة منظومة مراقبة مكاتب الاقتراع تحت المجهر، بعدما كشفت الأبحاث عن خروج أوراق انتخابية من مكتب للتصويت قبل إعادتها إليه، مما أثار تساؤلات بشأن إجراءات حراستها وتتبعها طوال يوم الاقتراع.
وأفادت النيابة العامة بأن المشتبه فيه الذي ضُبط بحوزته حقيبة تضم أوراقا انتخابية كان يشغل مهمة نائب رئيس مكتب للتصويت، وأنه أخرجها من داخل المكتب بمساعدة رئيسه، قبل إعادتها لاحقا إلى مكتبي تصويت بتنسيق مع أشخاص آخرين.
وكشفت التحقيقات اللاحقة، وفق المصدر ذاته، أن أوراقا نُقلت إلى شقة تابعة لوحدة فندقية، حيث جرى وضع علامات عليها لفائدة رمز حزبي. كما مكنت الخبرة التقنية من استرجاع تسجيلات كاميرات مراقبة كانت قد مُحيت، وأظهرت وجود المشتبه فيهم والحقيبتين اللتين ضبطتا لاحقا بالمكتبين.
ولا تزال القضية معروضة على القضاء، فيما تظل المعطيات المعلنة إلى حدود الآن نتائج أولية للبحث لا أحكاما نهائية. غير أنها طرحت إشكالية تتجاوز المسؤوليات الفردية، وتتعلق بمدى قدرة الإجراءات المعتمدة على رصد أي تصرف غير قانوني في أوراق التصويت خلال الساعات الفاصلة بين افتتاح الاقتراع وإغلاقه.
وينص القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب على تعيين رؤساء مكاتب التصويت وأعضائها ونوابهم من أشخاص تتوفر فيهم شروط النزاهة والحياد. كما يلزم رئيس المكتب بإحصاء الأوراق المسلمة إليه قبل انطلاق التصويت، وبالتحقق، عند فتح الصندوق، من مطابقة عدد الأوراق الموجودة داخله لعدد الناخبين المسجل تصويتهم.
وتوفر هذه المقتضيات مراقبة عند بداية العملية ونهايتها، إلا أن واقعة خروج أوراق ثم إعادتها تثير مسألة تتبعها أثناء سير الاقتراع. ففي حال استرجاع العدد نفسه قبل إغلاق المكتب، قد لا تكشف المطابقة النهائية وحدها الفترة التي ظلت فيها الأوراق خارجه أو ما تعرضت له خلالها.
وتزداد حساسية المسألة بالنظر إلى أن الاشتباه طال مسؤولين مكلفين بتدبير المكتب وحفظ النظام داخله. وهو ما يضع طريقة توزيع المسؤوليات وآليات الرقابة المتبادلة بين الرئيس ونائبه وباقي الأعضاء ضمن الجوانب التي يُنتظر أن تشملها الأبحاث الإدارية.
ويخول القانون لممثلي لوائح الترشيح مراقبة عمليات التصويت والفرز والإحصاء بشكل مستمر، مع إمكانية تضمين ملاحظاتهم في المحاضر والحصول على نسخ منها.
وتطرح القضية، في هذا الصدد، أسئلة بشأن حضور هؤلاء الممثلين داخل المكتبين، وما إذا سُجلت ملاحظات مرتبطة بحركة الأوراق أو الحقائب أو مغادرة بعض أعضاء المكتب.
كما أعادت الوقائع النقاش حول معايير اختيار رؤساء مكاتب التصويت ونوابهم، ومدى إخضاعهم لتكوين مسبق بشأن حراسة الوثائق الانتخابية والتصرف عند تسجيل أي نقص أو حركة غير اعتيادية. فاشتراط النزاهة والحياد يظل مرتبطا بوجود آليات عملية للتحقق منهما، إلى جانب التأكد من الكفاءة والاستعداد لتحمل المسؤولية.
وسبق للمحكمة الدستورية أن وقفت، في قرار صادر سنة 2023، على اختلالات داخل عدد من مكاتب التصويت، شملت ضعف خبرة بعض الأعضاء وعدم احترام توزيع المهام ووجود فوارق بين أعداد المصوتين والبيانات المدونة في المحاضر. وانتهت المحكمة حينها إلى إلغاء انتخاب نائبين بعدما اعتبرت أن الوقائع المسجلة لا تسمح بالاطمئنان إلى سلامة الاقتراع.
وكانت وزارة الداخلية قد أوفدت لجنة تفتيش مركزية إلى طنجة للتحري بشأن الخروقات المسجلة بمكتبي التصويت، والاطلاع على المعطيات والوثائق المرتبطة بها، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات الإدارية اللازمة وترتب المسؤوليات القانونية على ضوء نتائج البحث.
ومن شأن خلاصات اللجنة أن تحدد ما إذا كانت الواقعة ناجمة عن إخلال فردي بالإجراءات القائمة، أم أنها كشفت عن حاجة إلى تعزيز منظومة المراقبة. وقد تشمل المراجعة المحتملة اعتماد رزم مختومة ذات أرقام تعريفية، وتوثيق عمليات تسليمها وفتحها، وإجراء مطابقة دورية للأوراق المستعملة والمتبقية، مع منع أي شخص من الانفراد بها خلال الاقتراع.
كما قد تمتد الإجراءات إلى تعزيز تكوين رؤساء المكاتب وأعضائها، واعتماد رقابة مشتركة على مخزون الأوراق، وتأمين مداخل مراكز الاقتراع ونقط حفظ اللوازم الانتخابية، من دون المساس بسرية التصويت داخل القاعات والمعازل.
وستكشف نتائج التفتيش ما إذا كانت قضية مدرسة القدس ستنتهي عند ترتيب مسؤوليات الأشخاص المشتبه فيهم، أم ستشكل منطلقا لمراجعة أوسع لطريقة حراسة أوراق التصويت وتتبعها داخل مكاتب الاقتراع.







