الجهوية المتقدمة وسؤال التنمية … واقع دستوري مفتوح وإرادة سياسية غائبة!
ads980-250 after header


الإشهار 2

الجهوية المتقدمة وسؤال التنمية … واقع دستوري مفتوح وإرادة سياسية غائبة!

إشهار مابين الصورة والمحتوى

الحديث عن الجهوية المتقدمة، يحيل على ورش كبير ومهم من جملة  الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تبناها المغرب على مستوى تطوير آليات التدبير الترابي، وأصبحت تشكل إطار عــــاما تتجلى تطبيقاته ليس فقط في تدبير الجهات ولكن أيضا في تدبير الأقاليم والجماعات الترابية محليا.

إن تدبير الشأن العام المحلي من خلال تفعيل الجهوية المتقدمة نتج عنه توسيع وإغناء وكذا الرفع من اختصاصات وأدوار الجماعات الترابية اعتبارا لمضامين القوانين التنظيمية 14-111 14-112 14-113. ومن بين هذه الاختصاصات نجد تلك المتعلقة ببلورة والسهر على تطبيق برامج للتنمية وإعداد التصميم الجهوي لإعداد التراب وبرنامج التنمية الجهوية وبرنامج تنمية العمالة أو الإقليم وبرنامج عمل الجماعة.

فقد أنيط بالجهة، كتوجه عام كما سلف الذكـــر، النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة، وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها، وبالعمالة أو الإقليم النهوض بالتنمية الاجتماعية خاصة في الوسط القروي، وكذا في المجالات الحضرية، وتعزيز النجاعة والتعاضد والتعاون بين الجماعات المتواجدة بترابها.

وإذا تأملنا دستور 2011، والقوانين التنظيمية المكملة له، نجد أن هذه الأخيرة تعتبر الجهوية المتقدمة -من خلال المؤسسات المعنية- رافعة لتحقيق التنمية وأنها “رؤية جديدة” لتدبير الشأن العام تتحقق من خلال تمكين الجماعات الترابية بأنواعها الثلاث من اختصاصات مهمة في مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وفقا ل: مبدأ التفريغ والتدبير الحر. ومن جهة أخرى يمكن وصف الجهوية المتقدمة بأنها المحرك الأساسي للتنافسية بين الجهات ولها أهمية بالغة في مسلسل استكمال البناء المؤسساتي لبلادنا وتكريس مبدأ الديمقراطية التشاركية التي تتيح للمواطنين فرصة المشاركة في تدبير الشؤون الجهوية وتفعيل آليات الحكامة.

إن المرور عبر مفاهيم من قبيل التنمية، الديمقراطية التشاركية، النجاعة، الحكامة، يجعل القارئ والمتتبع في حيرة من أمره، وكأن الأمر يتعلق بمفاهيم تجد تنزيلها الكامل في “المدينة الفاضلة” وأن كل شيء يخضع لسلوك المثالية ومبادئ أخرى مماثلة، لكن الواقع يثبت أن هناك مجموعة من العراقيل ذات طبيعة سياسية واجتماعية واقتصادية منها، تحول دون التطبيق أو بالأحرى التنزيل السليم لهذا الورش الإصلاحي المتمثل في الجهوية الموسعة، إضافة إلى معيقات تتعلق بقناعات بعض المعنيين بتنزيل أهداف ومضامين الورش والتي تحول دون تحقيق الهدف المنشود من هذا التوجه القديم-الجديد في التنظيم الترابي للمملكة المغربية ولعل أهمها (العراقيل):

–           عدم منح الجماعات الترابية حريتها الإدارية والمالية وتأثير (سلطة الوصاية) على قراراتها:

إذ نسجل بهذا الشأن ما يمكن أن نسميه”السكيزوفرينيا” (تعدد المواقف) في القوانين المنظمة ودستور 2011 الذي ينص في الفصل 136 على أنه: “يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن؛ ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة”.

في حين نجد أن هذا التدبير الحر قد قيدت حريته وفقا لمقتضيات كل من المادة 17، 35،  77 و112 (القانون التنظيمي 14-111 المتعلق بمجالس الجهات) والمادة 17، 21، 32، 37،41، 59 ، 60 ، 74، 84، 115، 118 (القانون التنظيمي 14-113 المتعلق بالجماعات) التي تعزز ادوار سلطات الرقابة (العمال والولاة) وتمنحها حق التدخل بشكل قوي في مقررات المجالس المنتخبة الشيء الذي يتنافى والمفاهيم الجديدة التي جاء بها دستور 2011 مثل: “التعاقد” و”التدبير الحر” و”التسيير المالي الحر” و”الرقابة البعدية” و”المواكبة” …

صحيح أن الفصل 145 من دستور المملكة المغربية، يمنح للولاة والعمال حق الرقابة على الجماعات الترابية، لكنه في نفس الوقت ينص على حذف الازدواج الوظيفي للسلطات الرقابية في تنفيذ مقررات المجالس المنتخبة. والواقع أننا نشهد تحول هذه السلطة من الطبيعة الرقابية إلى الطبيعة السلطوية حيث أن الفاعل المركزي هو المتحكم في برامج ومسارات التدبير الجهوي والمحلي سواء تعلق الأمر بوزارة الداخلية أو بوزارة المالية، إذ لا يمكن للجماعات الترابية أن تفعل برامجها التنموية وما إلى غير ذلك من القرارات دون تأشيرة وموافقة ممثلي السلطة المركزية.

أما فيما يتعلق بالجانب المالي فإنه لا يمكن تحقيق حرية واستقلال ماليين دون حرية في التدبير والتسيير الإداري، وبما أننا قمنا بتحليل هذه المعادلة بشكل مسبق ، سنثير بهذا الصدد إلى إشكالا آخر في هذا الجانب يتمثل أساسا في ضعف الموارد المالية للجماعات الترابية أو بالأحرى ضعف التمويل الذاتي لديها. حيث إن المشرع لم يركز في القوانين التنظيمية ولا في الدستور الجديد على التدبير المالي للجماعات الترابية، علما أن الاستقلال المالي يعتبر من بين الدعامات والمبادئ الأساسية التي تمكن الجماعات الترابية من تدبير الشؤون الترابية، إلا أن وقوفها عاجزة أمام تدبير نفقاتها العادية يضعف قدرتها في اتخاذ القرارات مما يفرض التدخل المركزي.

وانطلاقا مما سبق، يمكننا الخروج باستنتاج مفاده أن منطق “التحكم” يسود منظومة البناء المؤسساتي الجديد تحت عباءة “الرقابة”، الشيء الذي يعيق مسار التنمية.

–           عطب في مسلسل نقل الاختصاصات من المركز إلى الجماعات الترابية:

هنا يطرح سؤال مدى قناعة وإرادة السلطة المركزية أو بتعبير آخر الدولة اقتسام ومشاركة بعض اختصاصاتها وصلاحياتها مع المنتخبين المحليين، وإذا اعتمدنا خلاصة التحليل السابق يمكن القول على أن السلطة المركزية بطبيعتها لا تتيح الفرصة للجماعات الترابية أن تكون قادرة على صناعة القرار المحلي وتسهر على تطبيقه حيث أن المركز يهيمن على صلاحيات تسطير التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية للبلاد وهو صاحب القرار فيما يتعلق بالسياسات العمومية وعلى الجماعات الترابية بلورة برامج تنموية مواكبة للتوجهات المحددة من طرف السلطة المركزية، علما أنه من بين مبادئ ورش الجهوية المتقدمة منح صلاحية واستقلالية القرار في البرامج التنموية أخذا بعين الاعتبار خاصيات ومميزات الجهة ومشاكل ومطالب سكانها تماشيا مع أطروحة مفادها أن لكل جهة خاصياتها ومميزاتها الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية و لكل منها مشاكلها ومتطلباتها.

–     تواجد خلل في منظومة الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على إنتاج نخب مؤهلة لتدبير الشأن العام المحلي:

إن ورش الجهوية المتقدمة يقوم أساسا على الموارد البشرية ومدى كفاءتها وكذا نوعية النخب السياسة التي ستأخذ على عاتقها تدبير الشأن العام المحلي والجهوي والاستجابة لمطالب الساكنة، غير أنه ما آلت إليه الساحة السياسية والأحزاب من فوضى تتجلى في التعددية الحزبية التي لا تقوم لا على برامج ولا على رؤى واضحة. دون الحديث عن انعدام الديمقراطية الداخلية في بعض الأحزاب وإتاحة الفرص ومنح اغلب التزكيات للأعيان و”أصحاب الشكارة”، كلها تمظهرات واقع سياسي معاق، ينتج عنها عزوف الكفاءات عن العمل السياسي وانسحاب أخرى.

أما إذا تحدتنا بمنطق الأرقام والإحصائيات، فحسب معطيات توصلت إليها وزارة الداخلية  (المديرية العامة للجماعات المحلية):

–           فمن أصل 30 ألفا و663 مستشارا يسيرون شؤون جماعات المملكة الـ1503، 4739 منهم لم يلجوا المدارس في حياتهم،

–           عدد المستشارين الذي لم يتجاوز مستواهم الدراسي الابتدائي يصل إلى 8792 مستشارا في الجماعات، و212 في العمالات والأقاليم، و44 في مجالس الجهات، بينما الذين بلغوا التعليم العالي يصل عددهم إلى 7871 مستشارا بالجماعات، و637 بالعمالات والأقاليم، و460 على مستوى الجهات.

–           لم يتجاوز عدد المستشارين الشباب أقل من 25 سنة اثنين في العمالات والأقاليم، وأربعة على مستوى الجهات، في حين يرتفع العدد في الجماعات إلى ما مجموعه 769 مستشارا.

ومنه فان تحقيق حلم التنمية يلزم الأحزاب السياسية على تغيير نظام اشتغالها وذلك باعتمادها على تشجيع الكفاءات والشباب وتفعيل الديمقراطية الداخلية.

–           تأثير الانتماء السياسي للمنتخب المحلي الجهوي على تفعيل مبدأ الديمقراطية التشاركية:

يعتبر تفعيل مبدأ الديمقراطية التشاركية من أساسيات تنزيل ورش الجهوية المتقدمة و ذلك بإشراك الساكنة من خلال جمعيات المجتمع المدني في اتخاذ القرارات على المستوى المحلي والجهوي إلا أن هذه الأخيرة تبقى رهينة بالانتماء السياسي للفاعل الجمعوي فكل ما كان الانتماء السياسي يتوافق وانتماء المنتخب، كلما زادت فرصة هذا الأخير في تلقي الدعم ومشاركته في اتخاذ القرار والاستفادة من مجموعة من الامتيازات، ناهيك عن المجالس الاستشارية للجماعات الترابية التي يغلب عليها الانتماء السياسي.

يتضح من خلال ما سبق ذكره وتحليله أن دستور 2011 مقارنة بدستور 1996 منح مجموعة من الصلاحيات والاختصاصات الجديدة للجماعات الترابية بمختلف أنواعها بهدف تنزيل ورش الجهوية المتقدمة وتعزيز الحكامة الجيدة  إلا أن ذلك لم يرقى إلى تحقيق مستوى التنمية المطلوب .

خلاصة:

إن الوضع الحالي ببلادنا يتطلب من المؤسسات المعنية تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وسن قوانين زجرية في هذا الصدد وعدم الاكتفاء بالإعفاءات و”الزلازل السياسية”، وذلك بهدف وضع  مقاربة تتأسس على خدمة المواطن بالدرجة الأولى من خلال إنتاج سياسات عمومية وبرامج تنموية فعالة تستجيب لمطالبه وتخفيف السلطة الرقابية أو سلطة التحكم على الجماعات الترابية وتبني إصلاحات إدارية ومالية هامة.  وكذا العمل على تأهيل المنتخبين والرفع من مستواهم المعرفي والعلمي من خلال دورات تكوينية لكي تصبح الجماعات الترابية غنية بموارد بشرية قادرة على اتخاذ قرارات صائبة وتسيير وتدبير رشيد للشأن العام. إلا أن هذا التطور في البناء المؤسساتي لبلادنا لا يمكن أن يتحقق دون تطور اللاتمركز الإداري الذي ولد ميثاقه قبل أيام بعد رحلة حمل متعسرة دامت ثلاثة سنوات، ومنح نفس المدة للسلطة المركزية كي تقوم بعملية نقل اختصاصاتها إلى المصالح اللاممركزة،  ونورد هنا الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الإطار:

–           هل تم إشراك مختلف الفاعلين في بلورة ميثاق اللاتمركز أم أن السلطة المركزية لم تشبع رغباتها السلطوية بعد؟

–           هل سيتم رصد موارد مالية لكي تتمكن المصالح اللاممركزة من ممارسة الاختصاصات الجديدة أم أننا سنشهد نفس العراقيل؟

وبصفة عامة هل ستعيش الجماعات الترابية ومعها المواطن فصلا جديدا من مسلسل هذا الواقع المؤسف أم أن حلم التنمية بات قريب التحقيق؟.

* باحثة بسلك الماستر/ شعبة الاقتصاد والحكامة الجهوية والحضرية (كلية الحقوق-طنجة)


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا