وأوضحت الدراسة، المنشورة في الثامن من شتنبر 2026 بالمجلة العلمية الدولية Archives of Psychiatric Nursing، أن 369 طالباً من مجموع المشاركين تجاوزوا العتبة المعتمدة في أداة التقييم، ما يثير تساؤلات بشأن حجم الصعوبات المرتبطة بالتركيز والانتباه داخل الوسط الجامعي، ومدى توفر آليات للكشف المبكر عنها ومواكبة الطلبة الذين يواجهونها.
ويندرج هذا البحث، الذي أنجزه فريق ضم الباحثين سارة إشاطر وياسين بنحدوش وفاروق الأزرق وفضيلة بوسغيري وعادل النجدي وعادل العموري، ضمن الدراسات الرامية إلى فهم انتشار المؤشرات المرتبطة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لدى الشباب الجامعي، وتحديد العوامل التي قد ترتبط بظهورها.
واعتمد الباحثون على معطيات جُمعت خلال الفترة الممتدة من مارس إلى شتنبر 2024، من خلال استبيانات أجاب عنها الطلبة بأنفسهم، تضمنت مقياساً علمياً يعرف اختصاراً بـ«ASRS-v1.1»، يُستخدم للكشف الأولي عن أعراض اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لدى البالغين.
غير أن الباحثين شددوا على ضرورة التمييز بين تسجيل نتيجة إيجابية في اختبار الكشف الأولي والتشخيص الطبي الفعلي، إذ لا تعني النسبة المسجلة أن نحو نصف الطلبة المشاركين مصابون بالاضطراب، وإنما تشير إلى أن إجاباتهم أظهرت مؤشرات تستدعي، عند الاقتضاء، تقييماً سريرياً أكثر دقة من طرف مختصين.
وأبرز التحليل الإحصائي وجود ارتباطات بين النتائج الإيجابية للاختبار وعدد من العوامل المرتبطة بالحياة اليومية والمسار الدراسي للطلبة، وفي مقدمتها اضطرابات النوم والصعوبات الأكاديمية، إلى جانب بعض الظروف الأسرية.
وفي هذا السياق، أظهرت النتائج أن الطلبة الذين أفادوا بوجود صعوبات دراسية سجلوا أرجحية أعلى للحصول على نتيجة إيجابية في اختبار الفرز، بلغت نحو 7.13 مرات مقارنة بالفئة المرجعية، فيما بلغت هذه الأرجحية نحو 3.61 مرات لدى من يعانون صعوبات مرتبطة بالنوم.
كما رصدت الدراسة ارتباطات إحصائية مع بعض المتغيرات الأسرية، من بينها طلاق الوالدين وبلوغ الأم أكثر من أربعين سنة عند الإنجاب، مع التأكيد على أن هذه العلاقات لا تشكل دليلاً على وجود ارتباط سببي مباشر بين العوامل المذكورة وظهور الاضطراب.
وتكتسي هذه النتائج أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الحياة الجامعية، التي تفرض على الطلبة متطلبات متزايدة تتعلق بتنظيم الوقت، ومتابعة المحاضرات، والاستعداد للامتحانات، وإنجاز البحوث والواجبات الأكاديمية، وهي أنشطة تتطلب مستويات متفاوتة من التركيز والقدرة على التخطيط وضبط الانتباه.
ومن شأن الصعوبات المستمرة في هذه المجالات أن تؤثر على التجربة الدراسية للطلبة، غير أن تحديد أسبابها يظل رهيناً بتقييم متخصص يأخذ بعين الاعتبار عوامل متعددة، من بينها جودة النوم والضغوط النفسية والظروف الاجتماعية والصحية.
وتشير المعطيات المتعلقة بتركيبة العينة إلى أن الطالبات شكلن 74.1 في المائة من مجموع المشاركين، فيما بلغ متوسط أعمار المستجوبين 23.29 سنة، وهو ما يستدعي أخذ الخصائص الديمغرافية للعينة بعين الاعتبار عند تفسير النتائج.
كما أن عدد الطلبة الذين شملهم المسح، والبالغ 819 مشاركاً، ظل دون الحجم المستهدف في الحساب الأولي للعينة، المحدد في 1067 طالبا، الأمر الذي يفرض الحذر عند محاولة تعميم النتائج على مجموع طلبة جامعة عبد المالك السعدي أو المؤسسات الجامعية الأخرى بمدينة طنجة وجهة الشمال.
وتبقى الدراسة محدودة كذلك بطبيعتها المقطعية، باعتبارها اعتمدت على جمع المعطيات خلال فترة زمنية محددة، دون تتبع تطور الأعراض لدى المشاركين أو إخضاعهم جميعاً لتقييمات طبية تسمح بالتأكد من وجود اضطراب سريري.
وعلى المستوى الجامعي، تفتح هذه النتائج النقاش بشأن أهمية إدماج الصحة النفسية وصعوبات الانتباه ضمن برامج المواكبة الموجهة للطلبة، خصوصاً أن بعض الأعراض قد تنعكس على القدرة على التحصيل الأكاديمي والاستمرارية في الدراسة، دون أن تكون أسباب هذه الصعوبات واضحة دائماً للطلبة أو للمحيطين بهم.
كما تطرح تساؤلات حول مدى إتاحة خدمات الاستشارة النفسية والتوجيه داخل المؤسسات الجامعية بطنجة، والإجراءات المتبعة لإحالة الطلبة الذين تظهر لديهم صعوبات مستمرة في التركيز والتنظيم إلى المختصين، فضلاً عن إمكانات توفير مواكبة بيداغوجية تراعي احتياجات الحالات التي يثبت تشخيصها.
ولا تقدم الدراسة معطيات بشأن عدد الطلبة الذين سبق أن حصلوا على تشخيص طبي، أو استفادوا من متابعة نفسية أو علاجية، كما لا تسمح نتائجها بتقييم مدى فعالية خدمات المواكبة المتوفرة داخل المؤسسات الجامعية المعنية.
وخلص الباحثون إلى أهمية تعزيز الوعي بأعراض نقص الانتباه وفرط الحركة في الأوساط الجامعية، وتطوير آليات الكشف المبكر، مع الدعوة إلى إنجاز دراسات إضافية تعتمد على تقييمات تشخيصية متخصصة لتأكيد نتائج الاختبارات الأولية وتحديد الحجم الفعلي للاضطراب لدى هذه الفئة.
وبذلك، تضع الدراسة الجامعية المنجزة بطنجة قضية صعوبات الانتباه لدى الطلبة ضمن المواضيع التي تستحق مزيداً من البحث والتتبع، ليس فقط من زاوية المؤشرات الصحية والنفسية، وإنما أيضاً من حيث انعكاساتها المحتملة على المسار الأكاديمي والحاجة إلى تطوير آليات ملائمة للدعم والمواكبة داخل الجامعة.







