جو شومايك: طنجة مدينة القصص وبها يمكن أن تعيد تشكيل نفسك
ads980-250 after header

الإشهار 2

جو شومايك: طنجة مدينة القصص وبها يمكن أن تعيد تشكيل نفسك

إشهار مابين الصورة والمحتوى

جو شومايك 

ترجمة بتصرف: يوسف تجديت

باستطاعتك أن تكون الشخص الذي تريد في طنجة وتعيد تشكيل نفسك من جديد وتعيد كتابة قصة حياتك وتحدث تغييرا في اللاوعي الخاص بك كما تريد وتنغمس بملذاته أو تكسب أعداء جددا أو تبدأ حياتك من جديد. تينجيس أو طنجة – المدينة التي تتوفر على أسماء مستعارة متعددة – هي مدينة متميزة، عالقة بين عالمين، عالم متواجد على الحدود بين الشرق والغرب وآخر بين الشمال والجنوب. قف عند جدران القصبة المتواجدة فوق المدينة، وأنت في أعلى نقطة بشمال إفريقيا، على بعد 14 كيلومترا فقط من أوروبا عبر مضيق جبل طارق، بإمكانك رؤية كل من البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وبروز “أعمدة هرقل”التي تتكون من جبل طارق وجبل موسى والتي أطلق عليها أفلاطون، في حقبته بـ “حافة العالم المعروف”، حيث كان كل ما وراءها يشكل جزءا من مملكة أتلانتس المفقودة.

كما يمكنك أيضاً أن تسميها ببابل، المدينة التي لعنها الله لبناء برجها بشكل جد قريبمن السماء. فكانت عقوبته لساكنتها بأن جعلهم يتكلمون عشرات اللغات التي لم تكن مفهومة بينهم.فعند سيرك في شارع باستور في يوم مشمس، ووجود الضوء الذي يتخلل الهواء والبحرالذي يتموج في الأفق، قد يخيل إليك أن طنجة كانت يوم ما منذ زمن بعيد، فعلا قريبة جدا من السماء.

على الرغم من ذلك، تعلم سكان طنجة على مرور التاريخ فهم بعضهم البعض،إذ أصبحت الحدود بين اللغات غير واضحة.قد يرحب بك النادل في المقهى بلغة فرنسية مثالية، بينما قد يصرخ أحدهممتكلما بالعربية في أحد الشوارع ويتحدث سائق سيارة الأجرة بلغة إنجليزية رسمية كتلك التي يتحدث بهاهنري جيمس الروائي الشهير، كما قد تسمعصراخ الرجال باللغة الإسبانية على مباريات الدوري الإسباني أمام تلفزيونات المقاهي.

لقد كانت طنجة، التي تأسست في القرن الخامس قبل الميلاد، ملتقى للثقافات، حكمها القرطاجيون والفينيقيون والرومان والعرب والإنجليز والإسبان ثم القوى الأوروبية كمنطقة دولية غير مشددة الرقابة في منتصف القرن العشرين. وقد شكلت كل موجة متوافدة من الأجانب على المدينة جزءا من هويتها، فبينما تمشي في شوارعها المتعرجة اليوم قد تمر على أمكنة كانت تحتوي سابقا على تراث حضارات أخرى.

قد تصادف أحد رعاة الأغنام من حقبة ابن بطوطة في القرن الرابع عشر أو صبيا متسولا من روايات جان جينيه أو رجلا محترماقديم الطراز يرتدي بدلة من النسيج القطنيحيث سيبدو الأمر كما لو أنه تسلل من رواية لبول بولز. مع وصول ضوء البحر للجدران البيضاء للمدينة، سيكون من السهل التخيل بأنك قد أصبحت جزءا من طيات صفحات رواية ما. كانتالمنطقة الدولية أو “الإنترزون”، كما وصفها الروائي ويليام بوروز، المكان الذي لطالمااجتذب الجواسيس والخارجين عن القانون والمنبوذين بل وحتى الكاتبين الذين خرجوا عن المألوف في الأعمال الأدبيةالمتعارف عليها وتجاوزوا كذلك الحدود الفنية.

يختلف تاريخ طنجة الأدبي عنأي تاريخ أدبي آخر عرفه العالم أو قد يعرفه في المستقبل. ويمكن القول على أن أدبها يهرب من القواعد والافتراضات والاتفاقيات والأخلاقيات. إذ قطعت الشخصيات الفنية البارزة في المدينة علاقاتها ببلدانها الأصلية ومبادئها وتحدت نفسها لخلق أشكال جديدة من الكتابات الأدبية الخيالية حيث يمكن أن يتجسدوا ويعيشوا. وقاموا بتجارب على أنفسهم وسافروا وبلغوا حدود باطنهمالنفسي مستخدمين المخدرات والخمور كأدوات إبداعية.

إن قائمة الكاتبين المميزين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمدينة طويلة، ونجد من بينهم: ابن بطوطة وصموئيل بيبيس وألكسندر دوماس ومارك توين و إديث وارتون ووالتر هاريس وجينيت وبول وجين باولز ووليام بوروز وجو أورتون. ولمدة طويلة من القرن العشرين، شكلت شقةبول بولزالصغيرة الواقعة وراء مسجد محمد الخامس مركز كل شيء.

وتضمنت قائمة أكثر الكاتبين جرأة خلال القرن الماضي، والذين قضوا معظموقتهم مع بولز في طنجة كلا من: تينيسي ويليامز وباتريسيا هايسميث وجاك كيرواك وترومان كابوت وغور فيدال وألين جينسبيرج … إن الخروج عن الحدود الغير المسبوق في الأعمال الذي أنتجته هذه الشخصيات مدهش، وأخص بالذكر روايتين مكتوبتين جزئياً في المدينة وهما(الغداء العاريNaked Lunch) لوليام بوروز عام (1959) و(السماء الواقية The ShelteringSky) لبول بولز عام (1949) . مع ذلك، تبقى أكثر الشخصيات التي اجتذبتها مدينة طنجة، والتي بقيت منسية بشكل ظالم هما كاتبان تستحق أعمالهما القراءة في حال إذا كنتم تخططون لزيارة لمدينة طنجة: بريون جيسين وألفريد تشيستر.

كما كان الكاتبون المغاربة جزءًا لا يتجزأ من الأشخاص المحيطين ببول بولز، لا سيما محمد شكري ومحمد مرابط والعربي العياشي. وقد جاءوا من أوساط فقيرة للغاية، وتسلحوا بأقصى ما يمكن أن يتوفر عليه الإنسان منقوة الإرادة والتصميم والعزيمة للخروج من ظروفهم فأصبحوا كاتبين بارعين بدورهم. ولعب بول بولز دورا محوريا في قصصهم، حيث عمل مع شكري على ترجمة مذكراته الخيالية المثيرة للجدل “الخبز الحافي” من اللغة العربية وتسجيل قصص المرابط “الحب ببضع شعيرات” وقصص العياشي”حياة مليئة بالثقوب”، ثم تحريرها ونشرها باللغة الإنجليزية.

إن لهذه القصص ارتباطاخاصا بمدينة طنجة، ليس فقط بسبب التجارب المتعددةالتي قد تمر بها في المدينة، ولكن لأن اللهجة المغربية أو الدارجة، ليست لغة مكتوبةأيضا. فاللغة العربية الفصحى، الأكثر انتشارا في الشرق الأوسط، هي لغة الخطابات الرسمية والصحف والمجلات، لكن أقلية من السكان فقط يمكنهم التحدث بها بشكل جيد، ناهيك عن كتابتها. ويضع هذاالكاتبين المغاربة في موقف سخيف لا تصادفه في أي جزء آخر من العالم تقريباً: فمن أجل أن يكتبوا عن بلدهم، عليهم أن يختاروا لغة أجنبية ليكتبوا بها، بشكل عام الفرنسية أو العربية الفصحى.

محمد شكري، الذي تلقى تعليمه في ذلك الوقت، كتب بالعربية الفصحى وعمل مع بولز باللغة الإسبانية. وهذا ما كان مثيرا للاهتمام بخصوصتحويل بولز لقصص المرابط والعياشي المسموعة إلى أعمال مكتوبة. إنها بعض من الأعمال المغربية القليلة التي تم تأليفها بالفعل بالدارجة المغربية. وعلى الرغم من عدم وجود أي نص مكتوبلهذه القصص على الإطلاق فقد نشرت هذه الكتب لأول مرة باللغة الإنجليزية، وهي لغة تمكن القليل من المغاربة آنذاك من قراءتها. لكن الغريب في الأمر كان حظر كتب المرابط والعياشي من قبل المملكة في مرحلة أو في أخرىبينما تم الحجز علىالنسخ الأجنبية على مستوى الحدود الجمركية.

إن حدوث تعاون كهذا بين هؤلاء الكاتبين وكذلك قدرة هاته الشخصيات “المتمردة” على خوض تجاربها والكتابة دون قيود في دولة مسلمة لمفخرة لسكان طنجة الأصليين، كما أن هذا مكسب ينضاف إلى تاريخهم حيث عاشوا في عوالم مختلفةفي وقت واحد.

ويسلط التاريخ الاجتماعي لطنجة الضوء بشكل أكثر تركيزا على الصدام بين الإسلام والغرب في القرن الحادي والعشرين. فإذا كان أحدهميومنا هذا سيقضي فترة بعد الظهر جالسا في مقهى بطنجة (على سبيل المثال مقهى الحافة، المتواجدة فوق المنحدرات المطلة على المضيق البحريوالمليئة بأطياف الماضي) فإن أفكارهمالكئيبةستبدو فجأة بسيطة بشكل مبهج. إن طنجة غنية عن كل تعريف،ويجب أن تعيش فيها و”تحس بها ” من أجل أن تفهمها. إن التجول في شوارعها هو بمثابة التجول في الماضيعبر ألوان البر والبحر والروائح التي لا يمكن تحديد طبيعتها والأصوات المسموعة والقصص. هناك دائما شخص ما يحكي قصة. هل هيحقيقية أم خيالية ؟ لا يهم فالأمر لا يشكل فرقا كبيرا هنا.

 

المصدر: source


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا