رسائل من طنجة: مكان للاحتفال والتعافي واستعادة الأنفاس

مستجدات

  • ...
ads980-250 after header


الإشهار 2

رسائل من طنجة: مكان للاحتفال والتعافي واستعادة الأنفاس

إشهار مابين الصورة والمحتوى

توني رايت

ترجمة: يوسف تجديت

في وقت متأخر من الأمسية تحت سحر كل ما هو مشهور ومثير للإعجاب، بفندق متواجد على مشارف بوابة إفريقيا المطلة على أوروبا، عرفت قيمة الأصدقاء وكذا قدرة الفن على المساعدة في التعافي.

أتيت هنا للاحتفال بعيد ميلاد صديق قديم، إنه الكاتب والفنان والإعلامي الساخر برايان داو. ها هو ذا محاط بالأصدقاء حول طاولة كبيرة بقاعة العشاء الرائعة بفندق كونتينونتال بطنجة.

لقد قدم الأصدقاء كلهم بصفتهم صحافيين وممثلين وكوميديين من شتى بقاع العالم، ميلبورن وبرلين ومدريد وبرشلونة وفاس وطنجة نفسها، من أجل الاحتفال بهذه المناسبة.

وقد تبدو فكرة غريبة أن يسافر أحدهم إلى مكان غريب كهذا من أجل حضور حفلة عيد ميلاد، وبالفعل هي كانت كذلك.

وقد وجد داو معنىً جديدًا لحياته بعدما فقد أفضل أصدقائه وزميله في برنامج لقناة ABC TV للأبد. وبالنسبة لأولئك الذين يفقدون أفضل أصدقائهم على المدى الطويل فهم يبحثون عن فعل أي شيء يفعلوا إذا ما أرادوا البقاء على قيد الحياة.

وهكذا ، وفي أواخر العام الماضي، شد داو الرحال إلى طنجة، المكان الذي طالما كان وجهة للفنانين والكتاب والحالمين.

ما الشيء الذي يجعل طنجة مكانا للتعافي وشفاء للجراح ؟

يتواجد المغرب على رأس قارة إفريقيا بعيدا بـ14 كيلومترا فقط عن مضيق جبل طارق وبالتالي فإن تحديد هويته صعبة للغاية فهو لا يبدو إفريقيا ولا أوروبيا كذلك باعتباره مزيجا من العالم العربي وتلك الثقافات – سواء الرومانية أو البريطانية أو الاسبانية أو البرتغالية أو الفرنسية – والتي سبق لها وأن حطت الرحال فيه بوقت أو آخر قبل أن يستعيدها المغرب لنفسهم سنة 1956. وبإمكانك رؤية الرجال المرتدين للجلباب جالسين جنبا إلى جنب في المقاهي مع رجال ذوي سترات رياضية. يبدو أن طنجة خلقت لتكون مكانا لبدايات جديدة للمغتربين.

ويشتهر الفيلم الكلاسيكي “كازابلانكا” (1942) بتصوير مشاهده في ملهى ليلي يمتلكه رجل حكيم يدعى “ريك” (من بطولة همفري بوجارت)، إلا أنه يعتقد بشكل عام أن هذا المكان لم يتواجد بالدار البيضاء، بل كان مزيجا من حانة في طنجة في فندق المنزه (حيث كتب إيان فليمينغ، مخترع شخصية جيمس بوند، أحد كتبه)، و Gran Cafe de Paris القريب منها. ويتواجد كلاهما على طريق السفارة الفرنسية. وشكلت هذه الأمكنة مزارات للجواسيس و النازيين و الفرنسيين والنساء المثيرات للفضول والرجال المشتبه بهم خلال أوائل الحرب العالمية الثانية.

والتقينا، نحن المحتفلين، في الصباح لشرب القهوة في مقهىGran Cafe de Paris  والتي شعرنا بأنها لم تتغير من أيام الجواسيس، أو بالأحرى من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ لا يزال يخيل إليك أنك جالس مع كتاب جيل “البيت” من قبيل ترومان كابوت وجاك كيرواك وألين جينسبيرغ وويليام بوروز.

فعندما أخذنا مشروباتنا إلى شرفة فندق كونتننتال في احتفال عيد الميلاد هذا، كنا في نفس المكان الذي وضع فيه الانطباعي الفرنسي إدجار ديغا يوما ما حاملة لوحاته الفنية في الوقت الذي اختار فيه هنري ماتيس فندق طنجة آخر ليرسم جنته الأرضية. وشكل كونتينونتال كذلك مكانا لأمثال إيرول فلين والكتاب مثل بوروز وتينيسي ويليامز وجو أورتن.

ولا تزال هنالك صورة بقاعة العشاء للفندق للكاتب والملحن الأمريكي بول بولز الذي قدم إلى طنجة سنة 1947، ولم يرحل عنها أبدا حتى وافته المنية سنة 1999 عن سن يناهز 88 سنة.

كما أن البيتلز، في رحلة بحثهم عن الحشيش والأغاني جديدة، احتفلوا بشرفة فندق الكونتينونتال في ستينيات القرن الماضي والأمر سيان بالنسبة للروليز ستونز.

في الليلة التي سبقت الاحتفال بعيد ميلاد داو، كنا مدعوين لحضور تجمع ببيت ممثل مغربي مشهور. وقد عرض البيت المتواجد أعلى الأزقة المتشابكة للمدينة منظرا لأضواء مدينة طنجة الجديدة من جهة مرورا بالأبنية العتيقة لأسوار المدينة. وكان من الصعب تخيل مكان أفضل للاحتفال.

ومرت بنا والدة الممثل، والتي كانت أحد نساء الطبقة الراقية البارزات، فأخبرتنا عن زمن الستينيات والسبعينيات حينما لم يخل البيت أبدا من الزوار الأجانب. وأشارت إلى أن ميك جاغر وكيث ريتشاردز عضوا فرقة الرولينغ ستونز كانا يترددان على المكان بانتظام، كما كانت هنالك صورة في البيت لها معهما. انتابني شعور أن الأمسية كانت راقية كما لو كانت في عشرينيات القرن الماضي ومليئة بالملذات كما لو كان الأمر في الستينيات.

ويتبع داو، منذ ذلك الحين، تقليدًا فريدا من نوعه خلال إقامته في طنجة. لكنه لم يقضي وقته في الجلوس في المقاهي فقط أو في النظر إلى إسبانيا من شرفات الفندق الممتعة لأنه كان مشغولًا بإنشاء مجموعة جديدة من الأعمال الفنية التي تجمع بين الصور واللوحات.

فهذه الأعمال عبارة عن تراكيب ومونتاج، تجمع بين التصوير الفوتوغرافي والرسم والصباغة ولوحات مكونة من قصاصات، والتي تصور بشكل كبير “طنجة” التي استحوذت عليه.

وتم إنشاء معرضه الأول لمثل هذه الأعمالTangier Illusions  أوهام طنجة، بعد إقامة قصيرة في المدينة القديمة في مطلع العام الماضي. وكانت العديد من هذه الأعمال السابقة سريالية، تخلط بين المواضيع من السيرك إلى الشوارع القديمة، على سبيل المثال.

لكن تبدو هذه المجموعة الفنية الجديدة أكثر حزناً، وأحياناً أكثر ظلامية، وأحيانًا احتفالية كمجموعة ملونة من الراقصين.

بكل اختصار، كان داو يعيد صناعة نفسه كما سمح لمدينة عتيقة وبعيدة لطالما رحبت بالأجانب أن تساعده في صناعة نفسه من جديد بعد أن فقد نصف نفسه سنة مضت. وسيعود داو إلى أستراليا من أجل أن يقيم معارض لأعماله في شهر يوليوز، وشتنبر ونونبر.

 

المصدر:Source


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا