رمضان الأدباء والمثقفين بإيقاع الحجر.. انكفاء وتأمل
ads980-250 after header


الإشهار 2

رمضان الأدباء والمثقفين بإيقاع الحجر.. انكفاء وتأمل

إشهار مابين الصورة والمحتوى

ظل رمضان بالنسبة للمثقفين والمبدعين ومعهم عشاق الفن والأدب لحظة تكثيف للنشاط الفكري والإبداعي، إنتاجا واستهلاكا. يعتكفون نهارا في البيوت مستثمرين الساعات الممتدة لما قبل الإفطار في التهام ما تختزنه المكتبات الخاصة، أو تذوق الفنون بمختلف أشكالها، ومقبلين في المساء على المواعيد الكثيرة التي تقترحها الجمعيات والمؤسسات الثقافية الناشطة في فاس.

وحيث تزامن رمضان هذا العام مع تدابير الحجر الصحي وما رافقها من تقييد حركة التنقل ومنع التجمعات بمختلف أشكالها، فإن الخيار الوحيد الذي ظل أمام مبدعي ومثقفي العاصمة العلمية للمملكة هو خلق مساحات افتراضية من داخل البيت، بل من داخل الغرفة المغلقة، بحيث تنفتح دائما إمكانيات الإطلالة على العالم والتفاعل مع موجوداته من خلال كتاب أو فيلم أو قطعة موسيقية، إنتاجا أو استهلاكا على الأقل.

“لن أقول إن الحجر الصحي بأيامه ولياليه منحني امتياز ووقتا للكتابة والقراءة. سأقول إن البقاء في البيت فرض علي النبش في الأوراق والملفات والموضوعات التي ظلت معلقة على مشجب التأجيل. وفعلا، وجدت وقتا للحسم فيها، مثلما يقع في القضايا المعلقة في المحاكم. فهذه نصوص لم تكتمل عدت إليها لأجهز على بعضها تمزيقا وحذفا. وهناك نصوص توليتها بالتوضيب والسقي والعناية”. هكذا تحدث الشاعر عبد السلام الموساوي عن تجربته الخاصة في معتكفه الرمضاني.

يقول الموساوي في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء إن “الحجر سمح لي بنقل بعض المشاريع من الورق إلى الحاسوب، فأنا أكتب على الورق، فهذا طقسي الذي تعودت عليه، بالرغم من توفري على الحاسوب منذ أواخر التسعينيات، وعندما تنضج الأوراق وأرضى عنها، حينذاك فقط أرقنها وأع د ها للنشر”.

ويضيف صاحب ديوان “لحن عسكري لأغنية عاطفية” أن الحجر الصحي أتاح له أن يشبع ميوله الفنية. “لقد تمكنت من مشاهدة مجموعة كبيرة من الأفلام السينمائية المغربية التي يعرضها المركز السينمائي على موقعه وبعض الأفلام العالمية الأخرى. والسينما تلتهم الوقت التهاما خصوصا إذا أجدنا اختيار ما نشاهد. وأنا عادة أستشير أصدقائي من السينمائيين وأطلب اقتراحاتهم. من جهة أخرى وأمام انفتاح بعض المكتبات الرقمية العالمية بالمجان أمام القراء بسبب الوباء، وتشجيعا للناس كي يمكثوا في بيوتهم، تمكنت من تحميل مجموعة كبيرة من الكتب المتنوعة: روايات ودراسات ودواوين. وقد شرعت في تصفحها وبدء قراءة بعضها”.

ورغم هذا كله، فإن الإحساس بالوباء والوقوف على الرعب العالمي منه، وعلى كثرة المواد المرئية والمسموعة المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد غيرت كثيرا من رؤية الشاعر للحياة والوجود.. “أفكار كثيرة تعبر ذهني ووجداني آمل أن تختمر وتنضج على نار هادئة، عساها تخرج في نصوص إبداعية مستقبلا. ذلك أن تجارب الحياة لا تنكتب فور عيشها، بل تحتاج إلى التفاعل مع المرجعيات الهاجعة في الشعور واللاشعور. ومن يكتب قصيدة عن كورونا اليوم يكون موقفه كمهرج لا أقل ولا أكثر”.

بالنسبة للقاص والناقد جمال بوطيب، ظل رمضان بالنسبة إليه “فرصة سنوية لتكثيف الاشتغال، بما يتيحه من فرص عمل ليلا ونهارا، وبما يمنحه من آليات مساعدة على تدبير المشاريع الثقافية والعلمية، وإن صغرت”.

وهو يرى أن رمضان هذه السنة يتزامن مع الحجر الصحي ليضيف إلى المساحة الزمانية المتاحة مساحة مكانية يفرضها الحجر والبقاء بالبيت، فيمنح بعضا من مستقطعات الزمن ما قبل الكوروني في رمضانات السابقة ( مغادرة البيت بعد الافطار، فسح، تعبد، زيارات) لنظيره المكاني.

علاوة على الاشتغال الأكاديمي والتدريس عن بعد، تظل القراءة بالنسبة لرئيس مؤسسة “مقاربات” منفذا وملاذا سواء لكتب قرئت وتعاد قراءتها، أو كتب لم تتح فرصة قراءتها، بل وحتى لمخطوطات الأصدقاء، أما الكتابة فتقتصر على استكمال المشاريع المفتوحة أو المؤجلة، ومن داخل البيت “يتم تدبير الفعل الثقافي سواء بالمشاركة في الأنشطة عن بعد، أو الاستجابة لدعوات إعلامية، وتنفيذ مشاريع حان أوان تحقيقها الدوري كمجلة مقاربات ومجلة اقرأ”.

في المقابل، ثمة من لا تسعفه وطأة الأوضاع الحالية الناجمة عن الأزمة الصحية لكوفيد 19 في ممارسة النشاط الإبداعي المعتاد. ذلك شأن الشاعرة أمينة المريني، التي اعتادت الانقطاع عن الكتابة في رمضان، وإن كان يتيح لها فرصة للتأمل وتخزين عناصر تتحول لاحقا إلى مادة للكتابة.

أما هذا العام، فانضاف إلى ذلك التوقف عن القراءة التي دأبت الشاعرة المزاولة للتدريس، على إدمانها، بفعل الجهد الذي تستنزفه منها يوميات التعليم عن بعد. تفتقد أمينة المريني الملتقيات المسائية التي كانت تحفل بها مدينة فاس، ويلتئم فيها الأدباء والنقاد والجامعيون من مختلف المشارب، لكنها تجد في الفترة الراهنة مجالا واسعا للتأمل في وضع الكائن البشري، وحقائق العالم، لا بد أن يجد طريقه للتعبير الشعري في وقت لاحق.


ads after content
inside after text

شاهد أيضا
عداد الزوار