يتصاعد دخان السردين المشوي من “نوالات” قصبية، فيما تتوزع عائلات على شريط رملي ضيق عند أسفل منحدر حاد. هنا شاطئ “سرامة” بضواحي طنجة، أحد المواضع الساحلية الصغيرة التي ظل أبناء مدشر “غوجين” يرتادونها قبل أن تمتد إليها حركة المصطافين الباحثين عن أماكن أقل ازدحاما.
على الطريق الساحلية الرابطة بين طنجة والقصر الصغير، يبدأ النزول إلى الشاطئ من جوار سوق نموذجي، عبر مسار يقود نحو رقعة محدودة بين البحر والسفح.
ورغم ضيقها، تستقبل سرامة خلال الصيف عائلات تفضل الابتعاد عن الشواطئ الكبرى التي تشتد فيها الحركة مع ارتفاع درجات الحرارة وعطلات نهاية الأسبوع.
يقول عبد اللطيف بولعيش، أحد أبناء المنطقة، “كنا نسبح هنا مع عائلاتنا قبل أن تتسع شهرة المكان”، مشيرا إلى أن الشاطئ ظل لسنوات مرتبطا بسكان غوجين والدواوير القريبة.
وبالنسبة إليه، لا تكمن جاذبية سرامة في تجهيزات سياحية أو خدمات واسعة، بل في هدوئها وطابعها العائلي، وهما ميزتان يخشى السكان أن تتراجعا كلما ارتفع عدد الوافدين عليها.
مورد صيفي لأبناء المدشر
قرب العائلات المنتشرة على الرمل، أقام أبناء المنطقة مظلات و”نوالات” بسيطة يقدمون داخلها الطواجن والسردين المشوي وبعض الوجبات التي يقبل عليها المصطافون.
وتخلق هذه الحركة موردا موسميا لعدد من سكان المدشر، الذين يستفيدون من أسابيع الصيف لتعويض محدودية فرص العمل في محيط قروي لا يعرف النشاط نفسه خارج موسم الاصطياف.
ويقول بولعيش إن القائمين على هذه الأكواخ من أبناء المنطقة، وإنهم يوفرون خدمات بسيطة بأسعار تناسب طبيعة المكان ورواده.
ولا تبدو تلك الأكواخ منفصلة عن المشهد، بل جزءا من يوم صيفي يتقاسم فيه السكان والزوار الشاطئ نفسه، بين السباحة وإعداد الطعام واستقبال العائلات القادمة من طنجة والمناطق المجاورة.
هدوء مهدد بالازدحام
تزايد شهرة سرامة يفتح الشاطئ أمام أعداد أكبر من الزوار، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف من فقدان الهدوء الذي كان وراء انجذابهم إليه.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في أيام الذروة، حين تضيق المساحة الرملية المحدودة بالعائلات، بينما يزداد الضغط على المسار المنحدر المؤدي إلى الشاطئ وعلى الخدمات البسيطة القائمة حوله.
لهذا يشدد بولعيش على احترام طبيعة المكان والعائلات التي تقصده، قائلا إن من يأتي إلى سرامة “عليه أن يحترم نفسه ويحترم الناس”.
وتعكس عبارته حرص أبناء غوجين على ألا يتحول انتشار اسم الشاطئ إلى مصدر إزعاج لسكانه ورواده المعتادين، أو إلى سبب في تغيير السلوك الذي ظل يطبع الاصطياف فيه.
اسم تحمله التربة
ويحمل اسم “سرامة” بدوره رواية متداولة بين أبناء المنطقة. فبحسب بولعيش، يرتبط اللفظ بطبيعة الأرض التي تهبط أو “تسيخ” خلال فترات الأمطار، وهو ما يفسره باستعمال كلمة “سرم” في اللسان المحلي للدلالة على الانخفاض.
ويقول إن هذا الاسم يتكرر في مواضع أخرى بشمال المغرب، من بينها ملوسة وعين حمراء وبني مصور، ويربط السكان بينها وبين طبيعة التربة في تلك المواقع.
كما يستحضر بولعيش استعمالات أخرى للكلمة في اللهجة الجبلية، من بينها التمشيط، إلى جانب تعابير شعبية تحيل على الانخفاض أو الفراغ.
وتظل هذه التفسيرات جزءا من الرواية الشفوية المحلية، في غياب توثيق مكتوب يحسم أصل الاسم، لكنها تكشف عن صلة تسمية المكان بتضاريسه وباللغة التي احتفظ بها سكان غوجين في وصف محيطهم.
ومع تراجع حرارة النهار، تجمع العائلات أغراضها وتعود صعودا عبر المنحدر ذاته. ويبقى في الأسفل شاطئ صغير يجمع خلال أسابيع الصيف بين السباحة ومورد رزق موسمي وذاكرة محلية لا تزال تحملها أسماء الأرض.







