صحافية تسلط الضوء على حياة لاجئ ليبيري يُحاول النجاح في طنجة

مستجدات

  • ...
ads980-250 after header


الإشهار 2

صحافية تسلط الضوء على حياة لاجئ ليبيري يُحاول النجاح في طنجة

إشهار مابين الصورة والمحتوى

جوليا بروزاك

ترجمة: يوسف تجديت

إنه من المثير للقلق سماع صوت احتكاك العجلات المطاطية وصوت البوق القادمين نحوك بشكل مفاجئ وهما يحذرانك للابتعاد عن الطريق في زقاق ضيق ومكتظ. ثم هناك صوت زمجرة الدراجة النارية وهي تمر بالقرب منك برائحة العادم المحروق من المحرك.لا يدرك السائق وجود الراجلين وهو يتسابق نحو وجهته النهائية غير مهتم بضحيته المحتملة التالية. كما أن الناس الآخرين المتواجدين بالشارع لا يحتجون على الاستهتار القاتل للسائق ويستمرون في الخوض في مهامهم اليومية في يوم ثلاثاء حافل بالمدينة. إن أول ما أختبره وأنا أنزل إلى المتاهات المكتظة لـ”سوق دبرا” بطنجة هو هاته الأشياء التي اعتادها المغاربة. ونعم الاستقبال !

وجدت نفسي تائهة في ممرات الحجر الكلسي المتعرجة داخل الأسوار الرملية لهذا الجزء القديم من المدينة مع وجود لمحات فقط من ضوء الشمس الذي يتسلل عبر شقوق الأبنية المهترئة. وكانت رائحة الفواكه الطازجة والمعجنات بالكراميل منبعثة في الهواء، كما ظهرت القطط الضالة من زوايا الزقاق سعيا منها للحصول على بقايا الطعام الزائدة حيث قد كان سكان المدينة طيبين بما يكفي لمشاركتها. إن وتيرة الأجواء في المدينة القديمة متسارعة، فقدت الإحساس بالوقت مع ارتفاع مستوى الطريق الذي كان ممهدا بشكل غير متساو تحت قدمي مما جعل عضلات ساقي تتقلص وتزيد من مجهودها مع كل خطوة. ارتفعت التلة على قمة القصبة أمامي، وفي اللحظة التي ظهرت حبيبات العرق على سطح جبيني، استدرت لزقاق على يميني. في هذه اللحظة، اصطبغت الحوائط بالأزرق السماوي النابض بالحياة كالذي تجده في شفشاون، كما أظهرت المناظر الهندسة المعمارية الحجرية باللونين الأحمر والأبيض لمدينة طنجة. مع توغلي في قلب كنوز القصبة الخفية، رحبت بي الزهور المزهرة والأبواب المصممة بشكل معقد والتي تميز المدخل نحو العديد من المداخل السرية. وسمعت صديقتي إميلي من ورائي تعلق على تركيبة الأبواب، واصفة جمالها الفريد. بينما أطلق كريستوفر، الشخص الذي تعرفت عليه حديثا، ضحكة عميقة مبحوحة خافتة وهو يتوجه نحو بيته. وأكمل سيره قائلا “قد يخيب باب منزلي ظنك قليلا”.

سرعان ما وصلنا إلى مدخل منزله الذي صنع من باب خشبي متعفن ومهترئ وقفل معدني صدئ. نظر كريستوفر إلى النافذة في الأعلى وصاح قائلا شيئا ما باللغة الإنجليزية الليبيرية، وهي لغة أمكنني بالكاد تشفيرها. من العدم، أخرج رجل آخر له بشرة داكنة وعينان عريضتان كبيرتان وسترة منقوشة بنية اللون رأسه من الفتحة. نظر نظرة واحدة فينا، ثم في كريستوفر، وألقى مفتاحا معدنيا في يدي هذا الأخير. بعد أن فتح كريستوفر القفل خطوت خطوة نحو المسكن غير مدركة لما يمكن توقعه.

وكانت الأرضية الموجودة تحتي مبلطة بشكل غير متجانس، مع وجود تصاميم يصعب صنع مثيل لها بسبب الطلاء المتشقق. وامتد التبليط حتى منتصف الجدار حيث يلتقي بحجر ملون بالأزرق؛ وكان الطلاء متشققا حتى في هذا المكان، وامتدت الشقوق في الجدران على طول الغرفة إلى السقف. ويتواجد ثلاثة رجال آخرين جنوب صحراويين مثل كريستوفر في الطابق الأول. وبدا أنهم متفاجئون لرؤية امرأتين أمريكيتين في أماكن سكنهما. قادنا كريستوفر بمجموعة من الخطوات الصغيرة التي لا تزيد عن بضع أقدام، إلى الطابق الثاني من المبنى. لم تكن هذه الغرفة أكبر من غرف النوم الجامعية التقليدية، واندهشت لوجود أربعة رجال آخرين من جنوب الصحراء، جالسين على ما يبدو أنها أسرتهم: تم تضييق أفرشة كبيرة الحجم في فتحات خشنة تم إحداثها بالحوائط لتشكل غرفة نوم. واشترك كل رجل في الفراش مع آخر، حيث كان هناك فراشان في كل “غرفة”. لم تكن هناك كهرباء ولا حمام على مرأى بصرنا، حيث كان أقرب شيء إلى المطبخ هو الموقد الصدأ الذي بدا أنه غير شغال في زاوية “العرين”.

إن ظروفا معيشية مزرية كهذه شائعة بين اللاجئين من جنوب الصحراء الكبرى وهم يحاولون البقاء على قيد الحياة على الطعام القليل أيا كانت المبالغ المالية التي يمكنهم اقتراضها، كما أن الفرص ضئيلة للخروج من نطاق الفقر. كريستوفر الذي يرتدي قميصاً مهترئا منقوشا بالأزرق والأبيض دون زره الثاني، هو واحد منهم. ويبدو من الخارج رجلا هادئا ومتواضعا في الثلاثينات من عمره، ذو بنية عضلية، وله صوت عميق يمكن أن يخيف حتى أقوى الرجال. وكان وجهه ودودا ولطيفا بابتسامة تعرض أسنانه المعوجة. وكانت هناك ندبة خفية فوق عينه اليسرى تحمل في طياتها قصة مختلفة.

اندلعت الحرب الأهلية الليبيرية الأولى عام 1989 عندما كان كريستوفر يبلغ من العمر تسع سنوات. وقد أودت هذه الحرب المعروفة بأنها واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في أفريقيا بحياة أكثر من مائتي ألف من المدنيين الليبيريين بينما قامت بتشريد مليون آخرين في مخيمات اللاجئين في البلدان المجاورة. وقطعت أطراف آلاف آخرين واغتصابهم من قبل الجنود الأطفال المخدرين الذين سيطر عليهم زعماء الحرب. وسعت قوات المتمردين تحت سيطرة تشارلز تيلور، عضو مجلس الوزراء في ليبيريا، إلى الإطاحة بنظام الرئيس السابق صامويل دو مما أدى إلى معركة دامت سبع سنوات بين المتمردين الليبيريين والدول الإفريقية المجاورة ضد النظام القمعي لصامويل دو .

وعمل والد كريستوفر، وهو نيجيري، محاميا في ليبيريا. عند بداية الحرب عام 1990، كان يسعى للتداوي من مرض السكري في الولايات المتحدة وأجبر على البقاء هناك بعد أن تسبب القتال في إغلاق مطار ليبيريا الدولي.

وفي محاولتهم للإطاحة بالحكومة، سعى الثوار لقتل الأشخاص الذين ربطتهم علاقة بالنظام، وعندما غزوا منزل كريستوفر ولم يعثروا على أي أثر لأبيه، أمسكوا بوالدته عوضا عن ذلك. وكانت والدة كريستوفر، وهي امرأة من غينيا، من أصل الماندينغو العرقي ، ولأن الحرب كانت حربا عرقية أيضا، أراد المتمردون التخلص من جميع من انحدر من عرق الماندنيغو، بالإضافة إلى المسؤولين الحكوميين.

بغصة في صوته ، وصف كريستوفر كيف تم إخراج 25 شخصا، بعضهم غني وبعضهم فقير، بما في ذلك والدته، إلى الشاطئ وقتلهم. جلست دون أن أنبس ببنت شفة، حيث استغرق كريستوفر دقيقة واحدة لاستجماع نفسه، مستعيدا بعض ذكرياته الأكثر رعبا وإثارة. بعد لحظة، نظر إلى الأعلى وأخذ نفسا عميقا، وتحدث بنبرة قوية: “تلك هي اللحظة التي تغير فيها كل شيء”.

تم العفو عن حياة كريستوفر، وجعله المتمردون طفلا جنديا إلى جانبهم. وقال لي: “لقد أُجبرت على القتال”، واصفا كيف تم غسل دماغه إلى جانب أطفال آخرين والتحكم بهم وتعليمهم القتل. في سن العاشرة، كان منتشيا بالكوكايين ومدمنا على جميع أنواع المخدرات الأخرى، كما كان عبدا لأحد زعماء الحرب. وشارك لمرة واحدة أو اثنتين في أحد الهجمات القاتلة، حتى أنه تقابل وجها لوجه الرجل الذي قتل والدته. وقال بشكل صارم “لم تتح لي الفرصة لقتله، أردت فعلا ذلك.” وقُتل الرجل في مكان آخر على جبهة القتال.

حينما كنا جالسات مع كريستوفر في شقته، ذكر كيف كان يوم انتخابات الرئيس الجديد في ليبيريا. إن “العيش في ليبيريا يمثل مشكلة. فالبلد لا يزال في حالة من الفوضى. ليست لدي أدنى فكرة عمن سأنتخب رئيسا، كما أنني لا أثق بأحد.” وتضمن المرشحون للانتخابات آنذاك رجل أعمال ولاعب كرة قدم “مجنون” وعضوا سابقا من مجموعة الثوار الذين قتلوا والدة كريستوفر. وأضاف “إن العديد من الناس مثلي، فقط ينتظرون ويترقبون نشوب حرب أخرى”. حينما سألته حول إمكانية عودته إلى بلده الأم من عدمها، تأنى للحظة قبل أن يذكر بأنه لن يعود بكل بساطة.

في عام 1991 ، هرب كريستوفر من الجيش وتسلل عبر الحدود إلى غينيا حيث مكث مع عمه وعاد إلى المدرسة لمواصلة تعليمه. مكث هناك لمدة ثلاث سنوات، غير قادر على ولوج مركز إعادة تأهيل لإدمان المخدرات، وفي عام 1994 غادر غينيا لسيراليون. وهناك، اجتمع كريستوفر برجل نيجيري كان عضو مجموعة من المتمردين السابقين المتورطين في بيع المخدرات. قال لي وهو يبرر قراره: “كان علي أن أكسب لقمة العيش بطريقة ما”. ومع ذلك لم يمض وقت طويل بعد ذلك حتى تم اعتقاله وإرساله إلى السجن لمدة عامين.

بعد قضاء عامين في السجن، هرب كريستوفر إلى مصر من حيث حاول عبور السياج الحدودي نحو الأراضي الإسرائيلية. “في مصر، يريدون منك عبور الحدود وسيطلقون النار عليك إذا لم تقطعها، لكن هذا ممنوع في إسرائيل. و قضى عامين في مصر قبل محاولته عبور السياج مرة أخرى، وعندما سارع نحو السياج الثاني، تم اعتقاله وترحيله إلى وطنه إلى ليبيريا.

لم يكن كريستوفر على وشك الاستسلام، حيث فر من ليبيريا مرة أخرى وانتهى به الحال في طنجة عام 2010، وكانت أول محطة له نحو أوروبا. ومع وجود ما بين 38.000 درهما و47.000 درهما فقط في جيبه، دفع لمهرب ليحاول نقله إلى إسبانيا عبر المياه. وتم القبض عليه مرة أخرى واعتقاله وإعادته إلى المغرب. “جربت العبور كل عام: في 2010 و 2011 و 2012 أربع أو خمس مرات، لكنني لم أصل أبدا إلى أسبانيا.” عندما سألت كريستوفر عما إذا كان سيحاول الوصول إلى إسبانيا مرة أخرى، أجاب بصوت متعب ومنهك، “لقد تخليت عن أوروبا. أنا أعيش الحياة الآن “.

يعيش كريستوفر اليوم في طنجة كمقيم في المغرب ويقضي وقته في التطوع لجوقة الكنيسة في الكنيسة الأنجليكانية المحلية. حينما سألته عن كيفية مشاركته في الكنيسة، أجابني بالقول بأنه بدأ بالصلاة في الكنيسة، وفي أحد الأيام سأله رجل نبيل من لندن عما إذا كان يريد أن يقوم بقراءة في الكنيسة ويعطي الوعظ أثناء رجوعه إلى منزله في بريطانيا لمدة أسبوعين. وقال “لم أكن أعرف كيف أعطي عظة… لقد أُعطيت مقطعا من الكتاب المقدس وحاولت جمعهما معا بنفسي ثم بدأت بالوعظ “. لقد ألقى كريستوفر مواعظ أمام مئات الأشخاص في الكنيسة الأمريكية، لكنه يتطوع بشكل أساسي عن طريق إدارة جوقة الكنيسة في الكنيسة الأنجليكانية، وقال لنا ضاحكا: “أنا لست قسيسا”.

إن كريستوفر واحد من أقوى الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي. فبعد أن عانى من أهوال لا حصر لها طوال حياته، ما زال يحاول أن يبقى إيجابيا وأن يعطي للمجتمع الذي قبله كعضو فيه. قال لي: “اعتدت أن تراودني الكوابيس كل ليلة، لقد توقفت قبل عامين فقط، لكنني لا زلت أسترجع ذكريات الماضي وأبدأ في القتال خلال نومي”. وبسبب ذكريات ماضيه، قال كريستوفر إنه يحاول تجنب النوم خلال النهار الذي تحدث له فيه معظم هذه النوبات في أحلامه “لا بد لي من البقاء مستيقظا حتى منتصف الليل أو الواحدة صباحا، وإلا لن أنام جيدا. كما أشعر بالقلق والضغط الشديد في صدري، وأحيانا أشعر وكأنني على وشك الموت “.

عندما سئل عما إذا كانت الكنيسة تفعل أي شيء لمساعدته في وضعه المعيشي، هز كريستوفر رأسه. “الكنيسة ليست متضامنة للغاية. أعطاني الرجل الإنجليزي الذي قمت بإعطاء الموعظة مكانه فقط 250 درهماً عن كل عظة من العظات الأربعة التي أعطيتها. بخلاف ذلك، لن تعطيني الكنيسة المال ما لم أتوسل إليهم. ” في الوقت الحالي، يتوجب على كريستوفر وزملائه في السكن أن يأدوا باستمرار الإيجار الشهري لشقتهم المتردية في القصبة باستثناء الكهرباء والماء. “نحن نعيش نفس الحياة القديمة كل يوم: فأنا استيقظ مع الكثير من المشاكل لحلها. أحاول قول الحقيقة، وأنا أعيش مما أقوم به من مواعظ في الكنيسة. ”

وصل يومنا مع كريستوفر إلى نهايته حيث قادني أنا و إميلي إلى أسفل الدرجات الخشنة لشقته للنزول إلى شوارع القصبة الضيقة. بدأت الشمس تطفو فوق أسطح المدينة، وشاهدته من الخلف بينما كان ينزل بحذر إلى أسفل الدرجات ليعيدنا إلى “سوق دبرا” حيث سنعود إلى مكان إقامتنا الفخم.

أحسست لوهلة بالخجل لأنني كنت على وشك العودة إلى ما بدا أنه أكثر المناطق رفاهية في مدينة طنجة بأكملها: مكان شبيه بالقصور مشيد كليا من الحجر الكلسي الأبيض مع العشب الأخضر الزمردي والزهور المليئة بالحيوية في اللحظة التي كان فيها كريستوفر يتسلق عائداً نحو القصبة إلى شقته المتردية، ويحاول كما قال من قبل حل سلسلة من المشاكل.

عندما افترقنا في طرقنا، أشار كريستوفر إلى أنه ليس لديه ما يأكل أو يطبخ لتناول العشاء في ذلك المساء هو وزملاؤه في الغرفة، وقد صدمتني لحظة طلبه بضع دراهم حتى يتمكن من الذهاب وشراء الطعام. كنت مترددة في البداية قبل أن أسلمه بحرج مبلغ عشرين درهم، مع العلم أنه لم يكن مبلغا كبيرا ولكنه من المأمول أن يساعده في تدبر أمر المساء. وفي طريق العودة إلى مكان إقامتنا، فكرت في الوقت الذي أمضيته مع كريستوفر. إنه شخص غير عادي. لقد كان رجلا متواضعا، ولكن ما تركني مندهشة هو الطريقة التي استمر بها في كسب العيش. إن كريستوفر هو واحد من العديد من لاجئي الصحراء الكبرى الذين يحاولون النجاح في طنجة. إن قصته وخدمته للمجتمع لا يمران دون أن يلاحظهما أحد. أنا أثق في كريستوفر، وأعتقد أنه سيجد ما يصبو إليه في يوم من الأيام.

 

المصدر:Source


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا