صناعة التفاهة
إعلان على اليمين 160×600
إعلان على اليسار 160×600
تحت اللوغو

الإشهار 2

صناعة التفاهة

إشهار مابين الصورة والمحتوى

صناعة التفاهة
أصبح من السهل جدا أن يصير المرء مشهورا بسرعة البرق في يومنا هذا، في ظل وجود وسائط تواصلية تكنولوجية ذكية تساعده على إيصال فكرته و الإفصاح عن توجهاته، وحتى عن مكبوتاته لعموم الناس، دون أن يلجأ للحركة في كثير من الأحيان، وجميل جدا أن تكون هناك سرعة في نقل الأخبار وتبادل المعلومات… إلا أن ما يعقد هذا التواصل ويربكه هو عدم الاكتراث لمصدر الخبر ومدى صحته ، ونظرا لطغيان ثقافة الصورة على المشهد الإعلامي والتواصلي عامة، صار كل واحد منا بإمكانه أن يصدر أحكام قيمة حول أي حدث أو شخص يصادفه، وبالتالي يصير مادة دسمة في العديد من الفضاءات والمنابر، فرواد مواقع التواصل الاجتماعي، ولاسيما من احترف منهم التوثيق والتصوير وإعداد برامج، صاروا هم من يحركون جموع الناس في مختلف الاتجاهات، بل وصل الأمر بهم إلى حد التأثير في اختيارات ورغبات بعض الأشخاص ، من خلال ما يقدمونه من برامج يومية، منها ما يسلط الضوء على جزء من حياتهم الشخصية، ومنها ما يلفت انتباه المتتبعين إلى بعض الفضاءات والأماكن ، ليمتد الأمر إلى النبش في بعض القضايا، كقضايا الساعة مثلا ، أو اللجوء إلى أساليب الإثارة في بعض الاختيارات والمواد، وهذا، على حد علمنا، يرفع من نسبة المتابعة والمشاهدة لديهم… فالمهم بالنسبة لنا ليس ما يحققونه من أرباح مادية أو ما شابه ذلك، ولكن نحن نراهن على تنوير الرأي العام في حدود المعقول وعدم تجاوز الاختصاصات، ولا سيما في نقل الخبر، لأن مسألة نقل الخبر والتحقق من صحته، والتعليق على الأحداث بأسلوب موضوعي متجرد له رجالاته من أهل الصحافة والإعلام، فليس كل من يمتلك هاتفا ذكيا عالي الجودة، أو آلة تكنولوجية يحسب نفسه صحفيا، ويطلق العنان لعدسة كاميراته أو هاتفه ليوثق ما لا يوثق، بل تصير هذه العدسة كاشفة لعورات الناس، أو تعمل على تزييف الحقائق وتركيب المشاهد، بشكل يتنافى مع الأخلاق ويطعن في الحريات الفردية للأشخاص، والأدهى والأمر حين يتم ترويج التفاهات، إلى درجة صارت مسألة كشف المستور وعرض اللحظات الحميمية الأسرية، أو توثيق ما هو يومي روتيني، نتقاسمه جميعا داخل بيوتنا وخارجها، محط اهتمام شريحة مهمة من المجتمع. فنظرا لما تحققه هذه البرامج التافهة من إقبال جماهيري، صار البعض منا يراهن على نقل التفاهة وكل ما هو شاذ لضمان القوت اليومي…فما يحز في نفوسنا اليوم، هو ما تتعرض له القيم الأخلاقية والتربوية والإنسانية من تدنيس، من خلال ما يتم الترويج له على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بمختلف أنواعه. لقد تم الإجهاز على ملكة الذوق الرفيع، والتضييق على مؤسسة الإعلام بجميع صنوفها، كما تم ضرب عرض الحائط كل ما ينتمي لحقل الإبداع الراقي خاصة في المجال الثقافي والفني…وتهميش أهل العلم والمعرفة. ألا يحق لنا اليوم كمتتبعين ومساهمين في تنشيط مواقع التواصل الاجتماعي، أن نطالب بتطهير وتجويد محتوى ومضامين البرامج والأنشطة، التي نتقاسمها مع بعضنا البعض؟ ألا يلزمنا أن نحترم كل من نختلف معهم، وأن لا نتطاول على أهل الاختصاص في كل المجالات ؟ فحري بنا أن نعطي أهمية بالغة لأصحاب الفكر والمعرفة الهادفة ، أليس من الواجب أن نشتغل على ما هو مشترك، وتدبير الاختلاف وتكريس مبدأ التعايش، في الفضاء الأزرق، الذي أصبح واقعا مفروضا يستدعي منا جميعا المساهمة فيه بكل ما سينفع الأمة ويدفع بعجلة التنمية إلى الأمام، مع الحفاظ على الجوهر، وهنا أقصد الأخلاق.؟
إننا اليوم أصبحنا، شبابا وشيبا، أكثر إقبالا على مواقع التواصل لاجتماعي، نظرا لما تقدمه لنا من خدمات مهمة في مجالات عدة، إلى درجة صارت هذه الوسائط بمثابة مورد رزق للعديد من روادها، ولاسيما حين يرتبط الأمر بالتجارة، والتعليم، والصحافة، وإنتاج برامج وقس على ذلك… إلا أنه وجب الحيطة والحذر حين نتعامل مع بعض الملفات والقضايا التي ترتبط بالأشخاص والمقدسات، فمن السهل جدا أن نجرم فلانا ونهدم البيوتات فوق رؤوس أهلها، ونطلق العنان للساننا للشتم والسب والقدف ، وهتك العرض، من وراء شاشات الأجهزة الإلكترونية، ولكن من الصعب جدا أن نساهم من خلال هذه الوسائل في بناء الإنسان وتقويم الاعوجاج، والرقي بالمجتمع بصفة عامة.
فالمرجو أن نعيد النظر في كل ما ننشره ونروجه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لا نعبد الطريق للتفاهة لتغزو حياتنا ومجتمعنا، ونصبح في آخر المطاف متخصصين في صناعة التفاهة.


الإشهار بعد النص
شاهد أيضا
عداد الزوار