تعود رواية إسبانية جديدة إلى أحداث الحرب الأهلية التي اندلعت سنة 1936، مستحضرة مشاركة الجنود المغاربة في صفوف قوات الجنرال فرانكو، من خلال حكاية صياد شاب من مدينة أصيلة تقوده ظروف الحياة إلى الحرب، قبل أن تتحول تجربته إلى قصة عن المنفى والهوية والذاكرة الممتدة عبر ثلاثة أجيال.
وتحمل الرواية عنوان «Assilah, sana»، وهي عمل أدبي مشترك للكاتبين فيرمين أباريسيو وإدريس عيساوي، صدر عن دار النشر الإسبانية «ديوان مايريت»، ويعيد قراءة جانب من التاريخ المشترك بين المغرب وإسبانيا من خلال شخصيات متخيلة وأحداث تستلهم التحولات الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها الحرب.
وتبدأ أحداث الرواية سنة 1936، عندما يقرر صلاح الحداد، وهو صياد شاب من أصيلة، الالتحاق بالقوات المتمردة بقيادة فرانكو، أملا في جمع المال الذي يسمح له بشراء قارب صيد وتحسين ظروف معيشته.
غير أن تجربته داخل الحرب تكشف له واقعا مختلفا عن التطلعات التي دفعته إلى مغادرة مدينته، بعدما يجد نفسه شاهدا على أعمال عنف وانتهاكات تدفعه إلى الفرار من صفوف القوات التي التحق بها.
ويقوده الهروب إلى منطقة سييرا دي غاتا بإقليم إكستريمادورا الإسباني، حيث يستقر ويؤسس أسرة جديدة، بعيدا عن البحر الذي ارتبط بطفولته وشبابه في أصيلة.
وبعد عقود، تنتقل الرواية إلى حكاية أحد أحفاده، صلاح بيريث رويث، الذي ينشأ بين المناطق الجبلية الإسبانية ومدينة ألكالا دي إيناريس، حاملا هوية مركبة وأسئلة متواصلة عن أصول عائلته وانتمائه الثقافي.
وتدفعه وفاة جدته واستعادة ذكريات العائلة إلى السفر نحو أصيلة، بحثا عن الجذور التي انقطعت صلته المباشرة بها، في رحلة تتحول تدريجيا إلى محاولة لفهم تاريخ أسرته وإعادة اكتشاف ذاته.
وتمتد أحداث العمل عبر ثلاثة أجيال، وتجمع بين الذاكرة التاريخية والروايات العائلية والتقاليد الشفوية، مع توظيف عناصر من الواقعية السحرية والموروث الثقافي المغربي.
وتحضر مدينة أصيلة في الرواية باعتبارها أكثر من مجرد فضاء جغرافي للأحداث، إذ تتحول إلى رمز للذاكرة والانتماء والمصالحة مع الماضي، بينما تشكل الموسيقى الأندلسية والعادات المحلية والحكايات الشعبية عناصر أساسية في بناء العالم الروائي.
ويقدم المؤلفان العمل من منظورين ثقافيين متكاملين، إذ يستحضر أباريسيو السياق الإسباني للحرب والمنفى، بينما يساهم عيساوي في رسم صورة للبيئة المغربية وتقاليد أصيلة وخصوصياتها الاجتماعية.
وتتناول الرواية كذلك العلاقات بين الثقافات والأديان، وانتقال الذكريات بين الأجيال، وتأثير الحروب في حياة العائلات حتى بعد مرور عقود على انتهائها.
ويأتي صدور هذا العمل في سياق اهتمام أدبي متواصل بإعادة قراءة مشاركة المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية، وهي مشاركة ارتبطت بتاريخ الحماية الإسبانية بشمال المغرب، وتركت آثارا إنسانية واجتماعية امتدت إلى جانبي مضيق جبل طارق.
ومن المرتقب تقديم الرواية بمدينة أصيلة يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، قبل تنظيم لقاء ثان بمدينة طنجة يوم الخميس 15 أكتوبر، في مناسبتين تتيحان مناقشة العمل مع مؤلفيه والعودة إلى الذاكرة التاريخية المشتركة بين المغرب وإسبانيا.
وتطرح الرواية، من خلال مصير شخصياتها، سؤالا يتجاوز وقائع الحرب نفسها، يتعلق بكيفية انتقال آثار الماضي بين الأجيال، وبقدرة العودة إلى المكان الأول على إعادة بناء الروابط مع الهوية والذاكرة.







