ظلّ 40 سنة عبدا في أمريكا.. سيرة مثيرة لأمير مُسلم أنقذته رسالة إلى طنجة
ads980-250 after header


الإشهار 2

ظلّ 40 سنة عبدا في أمريكا.. سيرة مثيرة لأمير مُسلم أنقذته رسالة إلى طنجة

إشهار مابين الصورة والمحتوى

سيرة حياته هي أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، أمير إفريقي مُسلم ظل أسيرا للعبودية في أمريكا لمدة 40 سنة، قبل أن يتم اكتشاف أنه أمير ويُطلق سراحه بعد بعثه لرسالة إلى طنجة ويتدخل السلطان المغربي لإعادته إلى بلده ووطنه الإفريقي.

الحديث هنا عن عبد الرحمن إبراهيم إبن صوري الذي يُعتبر في المراجع التاريخية كواحد من أشهر “العبيد” الذين عُرفوا في التاريخ الأمريكي، وتعود أصوله إلى ما يُسمى اليوم بدولة غينيا في غرب إفريقيا، وهو من السلالة المسلمة التي حكمت مملكة “فُولان” التي كانت تضم مساحات كبيرة في غينيا الحالية خلال القرن الثامن عشر.

وُلد عبد الرحمن في سنة 1762م في تيمبو التي كانت بمثابة عاصمة لمملكة فولان آنذاك، وكان والده هو حاكم المملكة، وهو يحمل لقب الأمير ويجيد الحديث بعدة لغات، وقد تولى وهو ابن 26 سنة قيادة حامية عسكرية تعرضت للهزيمة في إحدى المعارك سنة 1788م، ليتم اقتياده أسيرا ثم بيعه لتجار الرقيق الذين عبروا به المحيط الأطلسي إلى أمريكا.

وجد عبد الرحمن نفسه عبدا لدى مالك أمريكي يُدعى “فوستر” في ولاية ميسيسيبي، وبعد عدة محاولات فاشلة للفرار من العبودية، اضطر للرضوخ لأمر الواقع وقبل أن يكون عبدا لدى سيده، فاستعمل مهاراته في فلاحة وإنتاج القطن ليجعل سيده واحدا من أكثر منتجي القطن في ميسيسيبي، وبالتالي كسب ثقته وأصبح كبير العمال.

سيظل عبد الرحمن ابراهيم ابن صوري عبدا لدى فوستر ومساعدا له في أنشطته التجارية لمدة تصل تقريبا 20 سنة، تزوج خلالها من عبدة خادمة لدى فوستر تدعى إيزابيلا وأنجب منها عدة أطفال. ثم حدث ما سيُغير حياته من جديد رأسا على عقب، عندما سيلتقي عبد الرحمن برحالة بريطاني يُدعى جون كوكس في أحد أسواق ميسيسيبي.

ووفق تصريحات مؤرخين في وثائقي يتناول حياة عبد الرحمن على قناة “History”، فإن جون كوكس كان قبل حوالي 20 سنة قد نجا من موت محقق بعد غرق سفينته قبالة سواحل غرب افريقيا، وأنقذه مواطنون من مملكة فولان نقلوه إلى تيمبو، وهناك التقى جون كوكس بحاكم المملكة والأمير عبد الرحمن، حيث ظل في رعايتهم لمدة 6 أشهر.

عندما التقى كوكس بعبد الرحمن عن طريق الصدفة في سوق ميسيسيبي بعد حوالي 20 سنة وتعرّف عليه وعلم بما حدث له، حاول تحريره بكل ما أوتي من مقدرة من فوستر ردا للجميل الذي كان قد تلقاه منه ومن أسرته بعد غرق سفينته، لكن فوستر رفض جميع المحاولات، نظرا لاعتماده الكامل على عبد الرحمن.

وقضى كوكس بعد لقائه بعبد الرحمن سنوات طويلة يسعى فيها لتحريره من العبودية، وخلال مسعاه بدأت قصة عبد الرحمن تنتشر في محيطه، ليسمع بها صحافي محلي بميسيسيبي يدعى أندرو مارشالك الذي كتب قصته في جريدة، لكن مارشالك ارتكب خطأ في مقاله وذكر أن عبد الرحمن أمير مغربي بعدما علم أنه يتحدث العربية، والأخير تعمد عدم تصحيح ذلك الخطأ.

وانتهز عبد الرحمن الفرصة وطلب من مارشالك أن يساعده في بعث رسالة إلى المغرب، وقد وصلت إلى القنصل الأمريكي في طنجة، يُخبره بوجود أمير مغربي يريد الالتحاق بأسرته في وطنه، وقد وصل الخبر للسلطان المغربي. وأمام خشية أمريكا من تحول هذه القضية إلى قطيعة دبلوماسية مع المغرب أمر كاتب الدولة الأمريكي أنذاك هنري كلاي بتحرير عبد الرحمن وإطلاق سراحه.

بعد أن تحرر عبد الرحمن من العبودية، اصطدم برفض فوستر تحرير زوجته إيزابيلا وأبنائه التسعة، واضطر لاستغلال شهرته لمناشدة الأمريكيين مساعدته على تحرير زوجته وأبنائه للعودة إلى وطنه، وبدأت أخباره وشهرته تزداد في أمريكا بفصاحة خطاباته في الأسواق واللقاءات العامة وقصته المثيرة كأمير مسلم ظل 40 سنة في العبودية.

وتعرف عبد الرحمن بعد تحريره على أسماء أمريكية شهيرة، من بينها طوماس كالوديت الذي أراد انتهاز شهرة عبد الرحمن لنشر المسيحية في إفريقيا، فطلب منه التنصر وترجمة الصلاة المسيحية التي تُردد في الكنيسة إلى العربية، فاضطر عبد الرحمن لقبول الأمر سعيا منه لتحرير زوجته وأبنائه.

بعد عدة محاولات للحصول على الأموال اللازمة لتحرير زوجته وأبنائه، لم يستطع عبد الرحمن سوى تحرير زوجته، ورحل عائدا إلى غرب افريقيا تاركا خلفه أبنائه على أمل أن يلحقوا به، فوصل في مارس 1829م إلى مونروفيا في ليبيريا، وأول ما فعله حسب المؤرخين، هو أنه سجد على الأرض بعد غياب دام 40 سنة عن الأرض الإفريقية.

المثير في الأمر أن عبد الرحمن الذي وصل إلى ليبيريا مُتعبا، أصيب بنزلة برد وتوفي بعد أربعة أشهر من وصوله، ولم يتمكن من عودته إلى مسقط رأسه في تيمبو ومات عن عمر يُناهز 67 سنة.

والمثير أيضا، أن بعد سنوات، سيكتشف الأمريكي طوماس غالوديت الذي كان يُرسل حملات تبشيرية إلى إفريقيا لنشر المسيحية، أن عبد الرحمن لم يُترجم الصلاة المسيحية إلى العربية، بل كتب السورة الأولى من القرآن الكريم، ألا وهي سورة الفاتحة.


ads after content
شاهد أيضا