وضعت دراسة حديثة تناولت أثر الحركة السياحية والتصوير داخل قصبة الأوداية بالرباط قضية الخصوصية في الأحياء التاريخية المأهولة أمام نقاش يتجاوز حدود العاصمة، ويمتد إلى مدن سياحية من بينها طنجة، حيث تتقاطع داخل المدينة العتيقة والقصبة مسارات الزوار مع الحياة اليومية للسكان.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة “City, Architecture and Society”، أن وجود السياح وكثرة التقاط الصور لا يثيران، في المجمل، رفضا واسعا لدى سكان الأوداية الذين شملهم البحث، غير أن ذلك لم يمنع ظهور تغيرات في بعض العادات اليومية، خصوصا ما يتعلق بإغلاق أبواب المنازل تفاديا لوصول عدسات الزوار إلى الفضاءات الخاصة.
واعتمد البحث على استبيان إلكتروني شمل 17 مشاركا، إلى جانب ثلاث مقابلات غير رسمية مع أشخاص على معرفة بالحياة اليومية داخل القصبة. ومن بين 15 مشاركا أجابوا عن مدى تكرار مشاهدة السياح، أكد ثمانية أنهم يصادفونهم بشكل متكرر، فيما أفاد عشرة من أصل 16 بأن التصوير السياحي لا يتسبب لهم أو لجيرانهم في انزعاج يذكر.
وتبرز أهمية هذه النتائج في كونها ترصد تحولا هادئا في علاقة السكان بالفضاء المحيط بمنازلهم. فالأزقة التي كانت تؤدي أساسا وظيفة اجتماعية ومحلية أصبحت، بفعل الإقبال السياحي وانتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، فضاءات للتجول والتصوير وصناعة المحتوى، بما يجعل الحدود بين المجال العام والحياة الخاصة أكثر دقة.
ويمكن إسقاط هذه الإشكالية على طنجة، ولا سيما داخل القصبة والمدينة العتيقة، حيث تمر المسارات السياحية بمحاذاة منازل مأهولة وأبواب وساحات صغيرة تشكل جزءا من الحياة اليومية للسكان، وفي الوقت نفسه عناصر بصرية تجذب الزوار الراغبين في توثيق الطابع المعماري للمدينة.
وتزداد هذه المعادلة وضوحا في أحياء طنجة التاريخية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة حضورا سياحيا متزايدا وتحولا لعدد من أزقتها وواجهاتها إلى نقاط تستقطب التصوير. ففي مثل هذه المجالات، لا تبقى الصورة محصورة في توثيق مبنى أو زقاق، بل قد تمتد إلى أشخاص أو أبواب مفتوحة أو تفاصيل مرتبطة بالحياة الأسرية، وهو ما يعيد طرح السؤال بشأن الحدود الفاصلة بين حق الزائر في توثيق تجربته وحق السكان في حماية خصوصيتهم.
وتشير تجربة الأوداية، وفق الدراسة، إلى أن السكان لا يلجؤون بالضرورة إلى مواجهة الزوار أو الاعتراض المباشر على التصوير، وإنما يعتمد بعضهم سلوكات أكثر هدوءا، من قبيل إغلاق الأبواب أو الابتعاد عن مجال الكاميرا. ويكشف ذلك عن نوع من التكيف مع السياحة دون أن يعني بالضرورة القبول بجميع الممارسات المصاحبة لها.
وفي المقابل، تظل السياحة موردا مهما لتنشيط الاقتصاد المحلي داخل هذه الأحياء. فقد أبرز البحث دور الزوار في دعم الحركة التجارية، خصوصا خلال فترات الإقبال السياحي، مع تسجيل ملاحظات بشأن تفاوت استفادة التجار من هذه الدينامية، نتيجة توجيه بعض المجموعات السياحية نحو محلات بعينها.
وهي معادلة تجد صداها أيضا في طنجة، حيث ترتبط جاذبية المدينة العتيقة والقصبة بشبكة من المقاهي والمطاعم والمتاجر ودور الضيافة والأنشطة المرتبطة بالزوار، ما يجعل الحفاظ على الحركة السياحية مصلحة اقتصادية، بالتوازي مع ضرورة صون الطابع السكني والاجتماعي للأحياء التاريخية.
وتخلص المعطيات التي تقدمها الدراسة إلى أن التحدي لا يكمن في الاختيار بين السياحة وخصوصية السكان، بقدر ما يرتبط بتنظيم العلاقة بينهما داخل فضاءات تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه: مواقع للزيارة والاكتشاف من جهة، وأحياء حية تضم منازل وعائلات وممارسات يومية من جهة أخرى.
ومن هذه الزاوية، تفتح حالة الأوداية نقاشا يمكن أن يمتد إلى طنجة بشأن تدبير الضغط السياحي داخل المدينة القديمة، ومدى الحاجة إلى ترسيخ قواعد واضحة للتصوير تحترم السكان دون المساس بجاذبية المكان، خصوصا في الأزقة الضيقة والمناطق التي يصعب فيها رسم حد واضح بين المشهد السياحي وعتبة المنزل.







