تواجه أسر تقطن منازل تاريخية بالمدينة العتيقة لتطوان، شمال المغرب، خطر فقدان مساكن استقرت فيها منذ أكثر من خمسين عاما، بعد انتقال ملكية عدد من العقارات إلى أقارب أصحابها الأصليين بموجب عقود هبة، أعقبتها مطالبات بالإفراغ بداعي الاحتياج الشخصي للسكنى.
وتثير هذه المطالبات جدلا بشأن مدى استيفاء المالكين الجدد للشروط القانونية التي تجيز استرجاع المنازل المؤجرة، وسط اتهامات من المتضررين بتوظيف الهبة للالتفاف على حقوق المكترين القدامى، الذين يقولون إنهم واظبوا على أداء واجبات الكراء وتحملوا، طوال عقود، نفقات إصلاح عقارات كانت مهددة بالتداعي.
وبحسب إفادات أسر معنية بالنزاع، فإن بعض الملاك اختاروا نقل ممتلكاتهم إلى أفراد من عائلاتهم دون مقابل، قبل أن يتقدم المستفيدون من الهبة بطلبات لاسترجاع المنازل بدعوى حاجتهم إلى السكن، وهو تسلسل تعتبره الأسر مؤشرا على وجود مساع لإنهاء علاقات كرائية استعصت على أصحاب العقارات الأصليين.
وتطالب الأسر القضاء بالتحقق من حقيقة الحاجة السكنية التي يستند إليها طالبو الإفراغ، معتبرة أن انتقال الملكية بين الأقارب لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز الضمانات التي يقررها القانون للمكترين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنازل لا يتوفر قاطنوها على بديل عنها.
غير أن التشريع المغربي يميز بين انتقال ملكية العقار والحق في استرجاعه من المكتري، إذ ينص القانون رقم 67.12، المنظم للعلاقات الكرائية، على استمرار عقد الكراء بشروطه الأصلية حتى بعد انتقال الملكية إلى شخص آخر، سواء عن طريق البيع أو الهبة.
وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في نزاعات تطوان، بالنظر إلى أن القانون يشترط، لقبول طلب الإفراغ بسبب الاحتياج الشخصي، مرور ثمانية عشر شهرا على الأقل على تملك طالب الاسترجاع للعقار قبل توجيه إشعار الإفراغ، فضلا عن عدم توفره أو المستفيد المعني على مسكن مملوك يلبي حاجاته العادية، مع استثناءات محددة قانونا.
وبينما يسمح المشرع للورثة والموصى لهم والمكفولين باحتساب مدة تملك المالك السابق ضمن هذا الأجل، فإنه لا يمنح الامتياز نفسه للمستفيدين من عقود الهبة، ما يجعل تاريخ نقل الملكية وطبيعة العلاقة بين أطرافها عنصرين أساسيين في البت في النزاعات المعروضة على القضاء.
ولا تشكل الهبة في حد ذاتها مخالفة قانونية، باعتبارها وسيلة مشروعة لنقل الملكية دون عوض، لكن مشروعيتها لا تعفي المالك الجديد من إثبات شروط الإفراغ، ولا تمنحه سلطة إنهاء العلاقة الكرائية بمجرد تسجيل العقار باسمه.
وفي المقابل، يثير الوضع الاجتماعي للمكترين مخاوف تتجاوز مصير الدعاوى القضائية، بعدما أكدت أسر متضررة أنها تسلمت مساكنها قبل عقود وهي في حالة إنشائية متدهورة، واضطرت إلى الاقتراض لإصلاح الأسقف والجدران والمرافق، حتى تصبح صالحة للسكن.
وتقول هذه الأسر إن استثماراتها في الترميم ساعدت على استمرار استغلال مبان تاريخية كان بعضها معرضا للانهيار، لكنها باتت اليوم تواجه احتمال مغادرتها دون أن تمتلك الموارد اللازمة للحصول على مساكن أخرى داخل المدينة أو خارجها.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية في مدينة تضم واحدا من أبرز الأنسجة العمرانية ذات الطابع الأندلسي بالمغرب، بعدما أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مدينتها العتيقة ضمن قائمة التراث العالمي سنة 1997، تقديرا لما حافظت عليه من خصائص معمارية وتخطيط حضري تاريخي.
وكانت السلطات المغربية قد أطلقت برامج متعاقبة لتأهيل المدينة العتيقة وترميم معالمها وتحسين بنيتها التحتية، قبل أن تعزز حمايتها القانونية في سبتمبر 2025 بقرار يقضي بتقييدها في عداد الآثار الوطنية، وإخضاع التغييرات التي تمس مكوناتها التراثية لضوابط خاصة.
ويمنح هذا الوضع للنزاعات السكنية بعدا يتصل بمستقبل الأحياء التاريخية نفسها، إذ تتزامن جهود المحافظة على المباني وإعادة الاعتبار إلى قيمتها المعمارية مع مطالبات بإخلاء منازل ظلت مأهولة بأسر ساهمت، وفق إفاداتها، في صيانتها على مدى أجيال.
ولا يترتب عن التصنيف التراثي منع أصحاب العقارات من ممارسة حقوقهم القانونية، كما أن نفقات الترميم التي يتحملها المكتري لا تمنحه ملكية المنزل، لكنها تفتح بابا آخر للنزاع بشأن طبيعة الأشغال المنجزة والاتفاقات التي نظمتها وإمكان المطالبة بالتعويض عنها.
وينص القانون المغربي أيضا على تعويض المكتري عند الحكم بتصحيح إشعار الإفراغ، يعادل وجيبة كراء سنة، إلى جانب مصاريف الانتقال المثبتة، مع إقرار الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر إذا تبين أن الإفراغ استند إلى سبب غير صحيح أو لم ينفذ صاحبه السبب الذي استرجع المسكن من أجله.
ولم تتضح بعد الحصيلة الإجمالية للأسر المشمولة بطلبات الإفراغ في المدينة العتيقة لتطوان، ولا عدد القضايا التي بلغت مرحلة الأحكام القضائية، فيما لم تتوفر معطيات موثقة بشأن مواقف الملاك المعنيين من الاتهامات التي توجهها إليهم الأسر.
وفي انتظار اتضاح مآل هذه النزاعات، يتمسك المتضررون بمطلب فحص عقود الهبة وظروف إبرامها ومدى جدية الاحتياج السكني المعلن، خشية أن تنتهي خلافات الملكية والكراء إلى إخراج أسر محدودة الدخل من منازل ارتبط استقرارها الاجتماعي والمعيشي بها طوال عقود.






