دفعت تحركات بحرية مغربية قبالة سواحل سبتة المحتلة القيادة العسكرية الإسبانية إلى تعبئة قطع من أسطولها الحربي، في تطورات شهدتها المنطقة خلال الصيف الماضي، وكشفت عن حساسية الوضع العسكري في المياه المحيطة بالثغر، التي تتمسك مدريد بالسيادة عليها رغم غياب اتفاق لترسيم حدودها مع المغرب.
وكشفت صحيفة “إلباييس” الإسبانية، الاثنين، نقلا عن مصادر مطلعة على العمليات العسكرية، أن البحرية الملكية المغربية نفذت خلال أواخر يوليوز والأيام الأولى من غشت تحركات شملت فرقاطة واحدة على الأقل وعددا من زوارق الدورية، في المنطقة البحرية المحيطة بسبتة، وهو ما دفع مدريد إلى إصدار تعليمات بتعزيز وجودها العسكري قبالة المدينة.
وجاءت هذه التحركات في نطاق بحري لا يعترف المغرب بخضوعه للسيادة الإسبانية، ارتباطا بموقفه من الوضع السيادي لسبتة ومليلية، بينما تعتبر إسبانيا أن سيطرتها على الثغرين تخولها ممارسة الاختصاصات البحرية المرتبطة بهما.
وبحسب المصادر الإسبانية، باشرت هيئة الأركان العسكرية تعبئة سفينة العمليات البحرية “رايو”، انطلاقا من قاعدتها في جزر الكناري، قبل أن تصل إلى ميناء سبتة يوم 3 غشت، في إطار عملية لتعزيز المراقبة البحرية.
ولم يقتصر الانتشار الإسباني على هذه السفينة، إذ دفعت مدريد بالفرقاطة “سانتا ماريا” من قاعدة روتا العسكرية، قبل أن تضطر إلى استبدالها بالفرقاطة “نافارا”، بسبب عطل تقني أصاب الأولى.
والتقت الفرقاطتان يوم 6 غشت في ميناء سبتة، حيث جرى نقل عناصر من مشاة البحرية ومعدات عسكرية بينهما، لضمان استمرار الانتشار الذي قررته القيادة العسكرية الإسبانية في المنطقة.
ونقلت الصحيفة عن مصادرها أن الوحدات البحرية المغربية والإسبانية نفذت مناورات متقابلة كادت تتسبب في اصطدام زورقي دورية تابعين للبلدين، دون أن تتطور الواقعة إلى مواجهة مسلحة.
واعتبرت المصادر الإسبانية أن التحركات المغربية تجاوزت عمليات العبور البحري المعتادة، وتحدثت عن دخول متكرر إلى مياه تعتبرها مدريد خاضعة لسيادتها، غير أن هذا التوصيف يستند إلى الموقف الإسباني من الوضع القانوني للمنطقة، في ظل استمرار الخلاف مع الرباط بشأن السيادة على سبتة.
وتطالب إسبانيا بمياه إقليمية تمتد إلى 12 ميلا بحريا انطلاقا من سواحل الثغر، في حين لا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية عليه، وهو خلاف حال دون توصل البلدين إلى ترسيم متفق عليه للحدود البحرية المحيطة بالمدينة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى قرب سبتة من الساحل المغربي، ووجود قاعدة عسكرية بحرية رئيسية للبحرية الملكية بالقصر الصغير، على بعد نحو 35 كيلومترا غرب الثغر، تستقبل وحدات من الأسطول الحربي المغربي، بينها فرقاطات متعددة المهام.
وأفادت المصادر الإسبانية بأن التحركات البحرية المغربية انتهت عقب الانتشار العسكري الإسباني واتصالات أجرتها وزارة الدفاع في مدريد مع السلطات المغربية على مستوى رفيع، دون الكشف عن مضمون هذه الاتصالات أو ما إذا كانت قد أفضت إلى تفاهمات محددة بين الجانبين.
ولم تقدم المعلومات المنشورة تفاصيل عن المهام التي كانت تنفذها وحدات البحرية الملكية، كما لم تتضمن موقفا رسميا مغربيا بشأن طبيعة التحركات أو الادعاءات الإسبانية المرتبطة بها.
وجرت التطورات البحرية بالتزامن مع أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها الحدود المحيطة بسبتة يومي 30 و31 يوليوز، عندما سجلت محاولات دخول واسعة إلى الثغر عبر المعابر البرية والبحرية.
ورغم إيراد الحدثين ضمن الفترة الزمنية نفسها، امتنعت المصادر التي استندت إليها الصحيفة الإسبانية عن تأكيد وجود ارتباط بين تحركات البحرية الملكية وأزمة الهجرة، ولم تقدم أدلة على وجود تنسيق عملياتي بينهما.
وامتدت تداعيات التطورات التي شهدتها سبتة إلى أعلى مستويات المؤسسة العسكرية الإسبانية، إذ ترأس الملك فيليبي السادس يوم 8 شتنبر اجتماعا بقصر ثارثويلا، بحضور وزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس وخمسة من كبار القادة العسكريين، خصص لمناقشة الوضع الأمني والعسكري في الثغر.
وشارك في الاجتماع رئيس أركان الدفاع وقادة عسكريون مسؤولون عن العمليات والانتشار الميداني، في خطوة عكست حجم الاهتمام الذي أولته مدريد للوضع في سبتة عقب أحداث الصيف.
وجاء الكشف عن تفاصيل الانتشار العسكري الإسباني عشية زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، وهي الأولى له إلى المدينتين منذ توليه العرش.
وكانت وزيرة الدفاع الإسبانية قد جددت، الأحد، تأكيد موقف بلادها بشأن السيادة على الثغرين، وأشادت بعمل القوات العسكرية المنتشرة في سبتة، وذلك في إطار الاحتفالات بالعيد الوطني الإسباني.
وتأتي هذه التطورات في وقت يستمر فيه الخلاف بين الرباط ومدريد بشأن الوضع السيادي لسبتة ومليلية، وما يترتب عنه من مطالب بحرية إسبانية لا يعترف بها المغرب، بينما لم تكشف السلطات المغربية عن موقف رسمي من الرواية التي قدمتها المصادر العسكرية الإسبانية بشأن التحركات الأخيرة للبحرية الملكية.







