تواجه مدينة طنجة وضعاً مقلقاً في شوارعها، بعدما تحول الانتشار الكثيف للدراجات النارية، وما يرافقه من سلوكيات متهورة لدى بعض سائقيها، إلى تهديد متكرر لسلامة المواطنين، وسط تزايد حوادث السير واستمرار الشكاوى من السرعة المفرطة وعدم احترام إشارات المرور والسياقة الاستعراضية.
وباتت مشاهد الدراجات التي تتجاوز السيارات من اليمين واليسار، وتسير في الاتجاه الممنوع، وتقتحم ممرات الراجلين والأرصفة، من أبرز مظاهر الاختلال المروري الذي تعاني منه المدينة، في وضع يطرح أسئلة جدية بشأن فعالية المراقبة ومدى قدرة الجهات المسؤولة على فرض احترام القانون.
والأخطر أن بعض مستعملي هذه الدراجات يتعاملون مع الشارع العام كما لو كان فضاءً مفتوحاً للمغامرة بالسرعة، دون تقدير للعواقب التي تتجاوز حياة السائق نفسه لتطال الراجلين وأصحاب السيارات وبقية مستعملي الطريق.
وتعيد الحوادث الخطيرة التي شهدتها طنجة خلال الأيام الأخيرة هذا الملف إلى الواجهة، خصوصاً بعد تسجيل وفاة شاب وإصابة آخر إثر اصطدام شاحنة بدراجة نارية قرب منطقة «بلاصة طورو»، في واقعة جديدة تبرز حجم المخاطر التي يواجهها مستعملو الدراجات، بينما تبقى المسؤوليات الدقيقة رهينة بنتائج التحقيقات.
وتكشف الأرقام حجم الأزمة الطرقية التي تواجهها المدينة ومحيطها. فقد سجل إقليم طنجة أصيلة خلال سنة 2025 ما مجموعه 6957 حادثة سير، خلفت أكثر من عشرة آلاف ضحية بين قتيل وجريح، وفق معطيات الوقاية المدنية، وهي حصيلة تشمل مختلف أصناف المركبات ولا تقتصر على الدراجات النارية.
أما على المستوى الوطني، فقد سجلت سنة 2025 وفاة 2060 شخصاً من مستعملي الدراجات النارية ثنائية وثلاثية العجلات، بما يمثل نحو 45 في المائة من مجموع قتلى حوادث السير. وهي أرقام تكفي لإظهار أن التعامل مع هذه الفئة يحتاج إلى إجراءات تتجاوز الحملات التحسيسية الموسمية.
لكن ما يثير الانتقاد في طنجة هو استمرار مظاهر الفوضى رغم الحملات الأمنية المتكررة، التي تستهدف الدراجات المخالفة وتحجز أعداداً منها، قبل أن تعود الشكاوى نفسها إلى الظهور في أحياء ومحاور طرقية مختلفة.
وتستدعي هذه الوضعية مساءلة جدوى المقاربة المعتمدة. فحجز الدراجات المخالفة إجراء ضروري، لكنه لا يكفي ما دامت بعض السلوكيات الخطيرة تتكرر خارج نطاق الحملات. والنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الدراجات التي تصل إلى المحجز البلدي، وإنما بانخفاض الحوادث والضحايا وتراجع المخالفات.
كما يفرض الوضع تشديد الرقابة على الدراجات التي خضعت لتعديلات غير قانونية في محركاتها أو تجهيزاتها، وعلى قيادة القاصرين دون استيفاء الشروط القانونية، وعلى أنشطة كراء الدراجات التي يتعين التأكد من احترامها للضوابط المعمول بها.
وفي المقابل، تتحمل جماعة طنجة مسؤوليتها في معالجة الاختلالات المرتبطة بالتشوير الطرقي، وتأمين ممرات الراجلين، وتشخيص النقط السوداء، وتحسين شروط السلامة في الأنفاق والمدارات والمحاور التي تعرف حركة مرورية كثيفة.
ولا ينبغي إعفاء سائقي السيارات من المسؤولية، فعدم احترام الأسبقية والتجاوز الخطير وعدم الانتباه تشكل بدورها عوامل تهدد سائقي الدراجات. كما أن آلاف المواطنين يعتمدون على هذه الوسيلة في تنقلاتهم اليومية وممارسة أنشطتهم المهنية ويحترمون القانون، ولا يجوز تحميلهم مسؤولية تصرفات المخالفين.
وتزداد الحاجة إلى تدخل منسق بين مصالح الأمن والسلطات المحلية والجماعة والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، يقوم على مراقبة مستمرة، وضبط المخالفات الخطيرة، ومراجعة النقط التي تتكرر فيها الحوادث، وإعلان حصيلة دورية تسمح بتقييم الإجراءات المتخذة.
وإذا كانت المصالح الأمنية قد كثفت حملاتها خلال الأيام الأخيرة، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في ضمان استمرار المراقبة وعدم ربطها بوقوع حوادث مأساوية أو تصاعد غضب المواطنين.
إن طنجة، التي تستثمر في تحديث شوارعها وأنفاقها ومرافقها الحضرية، مطالبة بإعطاء سلامة مستعملي الطريق المكانة نفسها التي تمنحها لتطوير بنياتها التحتية. فلا قيمة لشارع حديث إذا عجزت الجهات المعنية عن ضمان احترام أبسط قواعد السير داخله.
لقد أصبح استمرار هذه الفوضى اختباراً لجدية التدبير الحضري وفعالية الرقابة الطرقية. وكل تأخر في معالجة أسبابها يزيد احتمال وقوع حوادث جديدة، ويدفع ثمنه مواطنون لا يريدون من الطريق سوى الوصول إلى وجهاتهم سالمين.
والمطلوب اليوم إجراءات واضحة ونتائج قابلة للقياس، بدلاً من انتظار حادثة مميتة جديدة تعيد إطلاق الحملات والوعود نفسها.







