ads980-250 after header


الإشهار 2

كانت طنجة يوما مشهورة بإنتاجها لفاكهة المندلين.. ها هي اليوم تشتهر بصناعة السيارات

إشهار مابين الصورة والمحتوى
الإشهار 2

كريغ ميلز -دايلي مافريك

ترجمة: يوسف تجديت 

بدلا من حركة المرور المشلولة، نحن نتحرك بسرعة على طريق سيار متعدد المسارات نحو الرباط ولم نصادف ولا حفرة في طريقنا. تنتشر الرافعات على طول الطريق السيار، فوق مجمعات سكنية جديدة متعددة الطوابق ممتدة نحو السماء عوضا عن الأحياء العشوائية الخشبية ذات القصدير المترامي الأطراف. فبدلاً من تواجد سيارات أجرة لاغوس الصفراء المتوقفة بشكل اعتباطي معرقلة حركة السير، هنالك وسائل راحة على جانب الطريق في المغرب ومحطات أداء في نهايتها، هناك أيضا موظفو مكتب الهجرة العابسون بالدار البيضاء، أمور جد معتادة في أوروبا.

بمجرد أن تغادر المدينة، فعوض كثرة الأشجار وجبال النفايات تجد حقولا محروثة خصصت هكتارات منها للزراعة داخل نوع مختلف من البيوت البلاستيكية تملأ محصولاتها الموائد الأوروبية المتواجدة على بعد 14 كيلومترا من طنجة نحو جبل طارق. لوهلة من الوقت، يتوازى الطريق السيار مع السكة الحديدية للقطار فائق السرعة البالغ طوله 350 كيلومترا والذي تم تدشينه في نونبر 2018 بعد 10 سنوات من التخطيط والبناء، مختصرا بذلك رحلة طويلة من الدار البيضاء نحو طنجة في ساعتين دون ضجيج.

وتبقى التقاليد هي التقاليد. فالنساء ذوات الجلباب والرجال ذوو العمامة يرعون الأغنام على جوانب الطريق السيار. ولا يمكن القول أن هذا شيء مثالي، فنسب الفقر تبقى مرتفعة في المناطق القروية حيث أن 4 ملايين من أصل 36 مليون مغربي تقريبا فقراء أو يعيشون في الفقر، ثلاثة أرباعهم من المناطق القروية.

وتتواجد طنجة في نقطة التقاء الحداثة الأوروبية والتقاليد الأمازيغية، مما خدم مصلحة المغرب إذ بلغ الاقتصاد نمواً بنسبة 5٪ منذ ما يقارب من 15 عاماً، مدفوعاً بالمستثمرين الأجانب وكذا المحليين عبر جمعهم بعناية فائقة بين السياسات المتبعة والاستقرارية والبنية التحتية.

وقد اعتمد تحديث طنجة على تطوير ميناء جديد، يعرف باسم طنجة المتوسط، وثلاث مناطق حرة (المنطقة الحرة الأصلية في طنجة التي افتتحت في عام 2000 ، ورينو طنجة المتوسط، وطنجة أوطوموتيف سيتي)، واثنين من المجمعات الصناعية بتطوان. باستثمارات بلغت 8 مليارات دولار حتى الآن، فإن هذه الشركات مجتمعة توظف 80000 شخصا  مع 7 مليارات دولار من العائدات المالية، مما يجعل منها أكبر منطقة حرة في أفريقيا.

وقد انضاف إلى هذه التطورات بناء مركب رياضي جديد وسط المدينة بلغت سعته 45.000 متفرج ومنطقة تجارية جديدة واسعة النطاق وبنية تحتية سياحية تم تجديدها.

بعد أن كانت طنجة يوما ما مشهورة بإنتاجها لفاكهة المندرين ها هيا ذا اليوم تشتهر بصناعتها لسيارات رينو جميلة. ففي سنة 2018، صنعت المملكة 430.000 سيارة ركاب لتأتي في المرتبة الثانية على المستوى القاري بعد جنوب إفريقيا التي أنتجت 600.000 سيارة. وتصدر معظم هذه السيارات نحو أوروبا عبر ميناء طنجة المتوسط. وقد وظف هذا المصنع 6.700 عامل وصنع 318.600 سيارة في سنة 2017 جاعلا بذلك من شركة رينو ثالث أكبر شركة على المستوى العالمي. ومع وجود مركز تدريب حكومي ميداني في الموقع، هنالك افتخار كبير في الرفع من كفاءة اليد العاملة.

وستفتتح بيجو قريبا مصنعا لها بالمنطقة الحرة بمدينة القنيطرة بمعدل إنتاج يبلغ 300.000 وحدة في السنة و 200.000 قطعة تدخل في تكوين أنظمة الدفع في المحركات.

ويقوم المغرب بالتعزيز من المزايا النسبية الأساسية كالموقع و الاستقرار والأجور. حيث يبلغ المعدل الأدنى للأجور 300 دولارا شهريا مقارنة بتونس (338 دولارا) وتركيا (430 دولارا). ولم تختر الشركات المصنعة المغرب بسبب كون اليد العاملة رخيصة فقط بل لمهارتها أيضا.

كما تلعب الحوافز دورها أيضًا عبر إعانات حكومية تصل إلى 6000 دولار في السنة للشخص الواحد للتدريب في مجالات التكنولوجيا العالية. ويمكن تغطية ما يصل إلى 15٪ من إجمالي مبلغ الاستثمار من خلال صندوق الحسن الثاني. كما أن هناك إعفاءات ضريبية، بما في ذلك الضريبة الشركات على بنسبة صفر في المائة خلال السنوات الخمس الأولى، ثم معدل منخفض قدره 8.75 % للسنوات الخمس والعشرين القادمة؛ والضريبة على القيمة المضافة والإعفاء الجمركي بالإضافة إلى إعفاء العائدات الأجنبية من الضرائب.

وبدأ بناء ميناء طنجة المتوسط،المتواجد على بعد 40 كيلومترا شمال شرق المدينة، عام 2003 ، وافتتح بعد أربع سنوات. أما اليوم، فيتعامل الميناء مع 3.5 مليون حاوية،كمايصدر أو ينقل 500.000 سيارة جديدة ، وثلاثة ملايين مسافر (معظمهم إلى إسبانيا وفرنسا)، ويشهد عبور 300.000 شاحنة، مما يجعلهيحتل المرتبة الـ45 كأكبرميناءات العالم، وأكثرها ازدحامًا في إفريقيا. ويأتي بور سعيد في المرتبة الثانية إفريقياوالمركز 52 عالميا بحوالي 3 ملايين حاوية، ثم ميناء ديربان الذي يحتل المرتبة 65 عالميا (من المرتبة 51 عام 2017) ب 2.7 مليون حاوية. ومع افتتاح الشطر الثاني من الميناء في وقت لاحق من هذا العام، يستهدف أن يصل الميناء إلى 10 مليون حاوية في غضون 8 إلى 10 سنوات.

إنها عملية فائقة التقنية، وتتعامل مع ما معدله 38 سفينة في اليوم الواحد، وتربط 188 ميناءا في 80 دولة. ويعد الميناء واجهة للشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتي تم الحديث عنها كثيرًا في إفريقيا، ولكن قلما يتم تنفيذها.

ويعد ميناء طنجة المتوسط وليد استثمار عمومي بقيمة 4 مليارات دولارقام بالأساس على تشييد الميناء، وشراء الأراضي، وبناء 50 كيلومترا من الطريق السيار. ويقول رشيد هواري مدير الميناء أن القطاع الخاص جعل “كل شيء في القمة” بما في ذلك الرافعات والمصانع والمخازن.

وعلى الرغم من أن نقل البضائع المشحونة يشكل معظم حركات العبور الموجودة بالميناء اليوم، فسياسة ميناء طنجة المتوسط تختلف عن أي ميناء رئيسي آخر.

كما قال هواري: “كان لدينا طموح لنجعل منه المعبر الأكثر حداثة في أفريقيا وكذا تحقيق الاستفادة المثلى من موقعنا الجغرافي الممتاز” خاصة وأن صخرة جبل طارق تظهر بشكل واضح وضوح الشمس في يوم صاف بالقرب من الميناء.وأضاف مدير الميناء “من أجل جذب المصانع الكبيرة، يعتمد نموذج ميناء دبي في الغالب على الخدمات اللوجستية وليس على التصنيع. “أفترض أننا نود… ” وأردف مبتسما ” … أن نصبح مثل روتردام من حيث التعامل مع الحاويات ومثل دبي من حيث الخدمات اللوجستية وسنغافورة من حيث الصناعة “.

إن الرؤية مهمة، لكن الاستقرار السياسي والقدرة على التنبؤ يلعبان دورا رئيسيا. وبفضلهم”تمكنا من تحقيق الاستفادة من كل هذا” كما يلاحظ هواري الذي تلقى تعليمه بعد التخرج في جامعة ساوثامبتون، والمعروف بتميزه في مجال الهندسة البحرية. “إن سمعة المغرب كدولة آمنة ومستقرة تخولك القيام بالأعمال التجاريةبطريقة يمكن التنبؤ بها.”

كما أن هناك ميزة إضافية حاسمة تتمثل في توقيع المغرب لاتفاقيات تجارة حرة مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج من بين آخرين، وتمثل هذه الدول 1.6 مليار شخص و 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

في وقت تبدو فيه أن العولمة تتراجع، جعل المغرب الوصول إلى أسواق أكثر ثراء طموحهالجوهري في سياسته الخارجية،لكن الانفتاح ليس شيئا جديدا على المدينة.

وبوصفها منطقة دولية تحتا لحماية الدولية منذ عام 1923 وحتى استقلال المغرب عام 1956 ، كانت طنجة مفتوحة دومًا، للتجارة والاستخدام المجاني للعملات، وكأيقونة مضادة للثقافة. وأصبحت بذلك مرتعا للملذات سواء تعلق الأمر بالكتابات الأدبية أوتعاطي المخدرات، وشكلت كذلك مكان أحداث رواية “”The Sheltering Sky “السماء الواقية” لبول باولز الذي أقام بطنجة لفترة طويلة وكذلك رواية”الغداء العاريNaked Lunch ” لويليام بوروز والذي قال عن طنجة بأنها:

“… واحدة من الأماكن القليلة المتبقية في العالم التي تستطيع أن تفعل ما تريده فيها بالضبط، طالما أنك لا تشرع في السرقة أو العنف أو تقوم بأي شكل من أشكال السلوك غير الاجتماعية.”

وقد فعل ذلك بالتأكيد بتعاطيه الهيروين والمورفين ومخدر المعجون ومختلف المواد الأفيونية.

وتقدم واجهة كافي دي باري Café de Paris المموجة، التي تسكنها أرواح كتاب أدبيين كبوروز وبولز وجاك كيرواك وألان غينسبرغ وتلاميذ جيل “البيت”، رؤية واضحة بزاوية 180 درجة لحركة مرور المارة عبر نوافذها التي يبلغ طولها طول الأرضيات. ويشق النادلون طريقهم عبر الكراسي الجلدية البنية الثقيلة ويقدمون القهوة والكرواسون في بعض الأحيان، كما كان الأمر قبل 60 عاماً. وفي مكان قريب، يقدم مقهى Grand Cafe في Petit Socco في المدينة القديمة بواجهاته العتيقة فرصًا لمشاهدة الأشخاص على غرار مقهى Café de Paris، مع وجود منظر لبائعي المتاجر الذين يزعجون السائحين بجميع أدوات التزيين، من الطرابيش الحمراء إلى أدوات الزينة المغناطيسة التي تلتصق بالثلاجة.

وقد وصف باولز طنجة بأنها:

“غنية بمشاهد الأحلام المثالية: شوارع مغطاة مثل الردهات بأبواب تطل على الغرف من كل جانب، وشرفات خفية فوق البحر، وأزقة تتكون فقط من الدرجات، وأزقة معتمة، ومساحات مربعة صغيرة مبنية على الأراضي المنحدرة مع وجود أزقة مؤدية إلى عدة اتجاهات، وكذلك عناصر أخرى لا نجدها إلا في الأحلام الكلاسيكية كالأنفاق والأسوار والأطلال والأبراج المحصنة والمنحدرات.”

هذه هي صورة طنجة والتي تم تصويرها أيضا في الآونة الأخيرة في فيلم The Bourne Ultimatum، حيث يكون القتال بين بطل الفيلم والقاتل المأجور. ويتضمن المشهد مطاردات عالية السرعة من خلال ممرات المدينة الضيقة المرصوفة بالحصى، والسلالم العالية على طول الشوارع الضيقة والأسوار، والأسطح منبسطة السطح، وتتضمن المشاهد كذلك القفز أسفل الشوارع وعبر النوافذ، وتنتهي أخيرا بالوصول إلى حمام صغير حيث يكون الفائز واحدا. إلا أن الفرق في الواقع هو غياب مشاهد القتال هذه.

وهناك أربع مناطق حرة أخرى تديرها الوكالة الحكومية MEDZ: مركز الطيران الجوي في Midparcبالدار البيضاء والذي يوظف 2400 شخصا في 16 شركة، ومنطقة السيارات المذكورة أعلاه في القنيطرة والمطلة على المحيط الأطلسي، وتلك الموجودة في وجدة و سلا والعاصمة الرباط. يتم تغذية كل من هذه المناطق الحرة، مثل طنجة، من خلال نظام بيئي من الحاضنات لتطوير أفكار قابلة للتنفيذ، وعبر التمويل المحلي، وربط الاتصالات مع قطاع الأعمال. هناك أكثر من 70000 عامل في المناطق الحرة والمجمعات الصناعية التي تديرها MEDZفي جميع أنحاء البلاد.

ومن المتوقع أن يحصل قطاع الطيران على دفعة قوية بفضل العلاقة الموجودة بين الخطوط الجوية الملكية المغربية و شركة بوينغ، والذي سيتم بدوره عبر تطوير شركات الطيران الوطنية، والطيران إلى 13 دولة أوروبية (بما في ذلك 11 مدينة في فرنسا)، و 24 في إفريقيا، وثلاثة في القارتين الأمريكيتين واثنين في الشرق الأوسط.

كما انتشرت مراكز الاتصال في الآونة الأخيرة بسرعة كبيرة على حساب المغاربة بفضل إتقانهم اللغة الفرنسية على وجه الخصوص. ويشتغل حاليا أكثر من 20000 عامل في هذا القطاع.

وهناك بعض الجدل الأكاديمي كما يشير مصطفى عبير من وكالة MEDZ حول ما إذا كان “إنفاق عائدات الضرائب على الدعم المالي يساوي قيمة الوظائف التي تم خلقها وكذلك عمليات نقل التكنولوجيا إلى المغاربة”. لكن هذه الحجة تعني وجود مخطط أفضل متاح لخلق الوظائف. كما يلاحظ عبير، أن قيمة نقل المعرفة والمهارات إلى المغاربة لا تؤخذ بعين الاعتبار، والتي بدونها كان المغرب ليصبح خارج سباق الاقتصاد العالمي.

لكن المغرب لا يزال يواجه تحديات. فعند الاستقلال ، كان عدد السكان 10.5 مليون. وبعد مرور ستين عاما، تضاعف حجمهم أكثر من ثلاث مرات. ولكن معدل النمو هذا يسري في طريق الانخفاض ثم الاستقرار، فقد انخفض من 3.3 في المائة سنويا في أواخر الخمسينيات إلى 1.4 في المائة عام 2016. وكانتعملية الانتقال إلى المدن سريعة. فعند الاستقلال، كان 29 ٪ من السكان يعيشون في المدن، أما الآن فهم أكثر من ضعف ذلك. وتضاعف عدد سكان طنجة ستة أضعاف ليصل إلى أكثر من 1.5 مليون نسمة في السنوات الـ 35 الماضية. مع الحاجة إلى خلق فرص عمل لـ 200 ألف خريج كل عام، فإن الضغط لا يقتصر على التخطيط فحسب، بل على إسقاطه على أرض الواقع.

لا يوجد بديل آخر سوى المضي قدماً في خلق الوظائف، وهي دروس يجب على بقية بلدان أفريقيا أن تستفيد منها، لأنها تواجه تضاعف عدد سكانها على مدى الجيل القادم.”وتحتاج أفريقيا إلى تحقيق معدل نمو اقتصادي بمعدل 7٪ كل عام حتى عام 2050″، كما يلاحظ محسن جزولي “هذا إن أراد أن يواكب النمو السكاني ويحقق نموًا في الدخل”.

كما يجب استنباط درس آخر من المغرب ألا وهو أن المصداقية مع المستثمرين لا تأتي من الخطب أو النوايا الحسنة بل “من فعل الأشياء في الوقت المحدد، واحترام التزاماتنا وتطبيق ما نقوله” كما يوضح رشيد هواري.

ويعتبر هواري نفسه “ميسّراً” للأعمال التجارية، حيث يعمل على “التخلّص من أي نوع من الفساد الإداري حتى تنتقل الأمور بشكل أسرع وأسرع للعميل”. فقد تم تأسيس ميناء طنجة كمحطة واحدة للمستثمرين الصناعيين، حيث يتم توقيع “كل التصريحات الضرورية” حسب سارة معتوق ،واحدة من مديري الميناء، والتي على غرار هواري تلقت تعليمها بأوروبا.

يبدو أن طنجة في زمننا الحالي أصبحت مكانا للعمل الجاد بدلا مما كانت عليه سابقا، مكانا للمتعة والملذات. كما يبدو أن المغرب يعيش الحاضر ويخطط للمستقبل.

 

المصدر: Source


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
Loading...
شاهد أيضا
الإشهار 5