مدفوعة بتوقعات مقلقة تحذر من تضاعف انبعاثاتها الغازية، وتفاعلا مع دينامية المجتمع المدني، تشرع جهة طنجة تطوان الحسيمة في بلورة استراتيجية طموحة لخفض الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2040، في مسعى استراتيجي للموازنة بين وتيرة نموها الصناعي المتسارع ومتطلبات الاستدامة البيئية.
وتبلور هذا التوجه بشكل رسمي ومؤسساتي خلال لقاء موسع عُقد في 15 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وجاء ثمرة لتفاعل مجلس الجهة مع عريضة ترافعية قدمها “مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية” بطنجة.
وأفضى هذا الاجتماع إلى توافق حاسم على تشكيل فريق عمل مشترك يضم مختلف المتدخلين، توكل إليه مهمة صياغة الاستراتيجية الجهوية لخفض الكربون وتحديد آليات تنفيذها، مدعوماً بتعهد المرصد بمواكبة هذا المسار عبر التوعية وتكوين الفاعلين المحليين وفق مقاربة تشاركية.
وتكتسب هذه التعبئة المشتركة بين المؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني طابعاً استعجالياً بالنظر إلى المعطيات الاستشرافية التي أفرزها المخطط المناخي الترابي للجهة؛ إذ حذرت التقديرات من أن الاستمرار في مسارات النمو واستهلاك الطاقة الحالية سيرفع الانبعاثات السنوية بنحو 90 بالمئة، لتنتقل من 7.58 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون المسجلة في 2016، إلى 14.42 مليون طن بحلول عام 2030.
ويعكس هذا المنحنى التصاعدي ارتباط البصمة الكربونية للجهة بهيكلتها الاقتصادية، حيث يهيمن قطاع الطاقة على 53 بالمئة من الانبعاثات، تليه الأنشطة الفلاحية والصناعية. وهو ما يضع المنطقة أمام تحدي كبح ارتفاع انبعاثات الفرد التي يُتوقع أن تتضاعف من 1.6 طن إلى 3.2 أطنان سنوياً.
وتتجلى حتمية هذه الاستراتيجية في كون الجهة تمثل قاطرة صناعية ولوجستية كبرى في أفريقيا. فبوجود ميناء طنجة المتوسط الذي عالج أكثر من 11.1 مليون حاوية خلال العام الماضي، ومناطق صناعية تحتضن كبريات شركات السيارات والنسيج، يتحول خفض الكربون من مجرد التزام بيئي إلى شرط حيوي لضمان التنافسية الاقتصادية.
ويبرز هذا البعد الاقتصادي بشكل خاص مع دخول آلية تعديل الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي مرحلتها النهائية مطلع عام 2026، مما يفرض إدماج التكلفة الكربونية في المبادلات التجارية ويدفع المقاولات المحلية للتحكم في انبعاثاتها للحفاظ على حصصها في الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، يقدم مركب طنجة المتوسط نموذجا استرشادياً للجهة عبر برنامجه الخاص للحياد الكربوني بحلول 2030، واعتماده على الكهرباء المتجددة منذ مطلع 2025.
غير أن الاستراتيجية الجهوية المرتقبة تسعى لتوسيع هذه النماذج الفردية لتشمل قطاعات متعددة ضمن أهداف مشتركة، تتناغم مع طموحات المغرب ضمن مساهمته الوطنية الثالثة الرامية لخفض الانبعاثات بنسبة 53 بالمئة بحلول 2035.
ويضع هذا المسار التشاركي الجديد مجلس الجهة ومرصد حماية البيئة أمام تحدٍ محوري، يتمثل في تحديث البيانات المرجعية لعام 2016، والانتقال من مرحلة التخطيط النظري إلى تفعيل وتحديث 30 إجراءً مقترحا في دراسات سابقة، مع إرساء التزامات قطاعية ومؤسساتية قابلة للقياس تراعي التباين بين الأقطاب الصناعية الكبرى والمناطق الفلاحية، بما يمنح أفق 2040 مضموناً عملياً يستجيب للتحولات العميقة في المنطقة.







