تتضاءل فرص الحصول على شقة سكنية بمدينة طنجة مقابل 30 مليون سنتيم، في ظل مستويات الأسعار التي بلغتها العقارات، حتى في عدد من الأحياء التي ظلت لسنوات تستقطب الأسر محدودة الدخل، بينما تكشف مؤشرات رسمية عن تراجع نسبة الأسر المالكة لمساكنها واتساع الاعتماد على الكراء، بالتزامن مع نمو سكاني يفرض طلبا متزايدا على السكن.
وتفيد معطيات متقاطعة من المراجع العقارية ونتائج الإحصاء العام للسكان والسكن بأن اقتناء شقة عائلية في حدود 300 ألف درهم أصبح أكثر صعوبة، بعدما بات هذا المبلغ يعادل في عدد من مناطق المدينة ثمن مسكن صغير المساحة، في حين تتجاوز أسعار شقق أخرى، حتى ضمن المشاريع السكنية الاقتصادية، القدرة الشرائية لهذه الفئة من المشترين.
ويظهر المرجع العقاري لمنصة “أجينز” المتخصصة في تقييم العقارات، وفق بيانات محدثة في يناير الماضي، أن متوسط سعر المتر المربع للشقق بعمالة طنجة أصيلة بلغ نحو 8028 درهما، وهو ما يجعل ميزانية 30 مليون سنتيم تعادل نظريا مساحة لا تتجاوز 37 مترا مربعا، دون احتساب المصاريف الإضافية المرتبطة باقتناء العقار.
وتكشف التفاصيل تفاوتا ملحوظا بين المناطق السكنية، إذ يبلغ متوسط سعر المتر المربع في مقاطعة بني مكادة نحو 6693 درهما، مقابل 8536 درهما بالشرف السواني، و10676 درهما بالشرف مغوغة، بينما ترتفع الأسعار إلى 13188 درهما في إيبيريا و14572 درهما في مالاباطا.
وبحسب هذه التقديرات، فإن اقتناء شقة بمساحة 60 مترا مربعا في بني مكادة يتطلب في المتوسط أكثر من 40 مليون سنتيم، ويرتفع المبلغ إلى نحو 51 مليون سنتيم في الشرف السواني، ويتجاوز 64 مليون سنتيم في الشرف مغوغة، مع اختلاف الأسعار تبعا لموقع العقار وتجهيزاته وحالته ومساحته.
ولا تبدو الصورة مختلفة كثيرا في عدد من الأحياء التي عرفت توسعا للمشاريع السكنية الموجهة للفئات المتوسطة ومحدودة الدخل، إذ تقدر منصة “ياكي” العقارية سعر المتر المربع في بوخالف بنحو 5496 درهما، وفي العوامة الغربية بـ6859 درهما، وفي مسنانة بـ6979 درهما، مقابل 6144 درهما في بني توزين.
وتشير هذه المستويات إلى أن ميزانية 300 ألف درهم لا تكفي، وفق الأسعار المرجعية، للحصول على شقة بمساحة 60 مترا مربعا في هذه المناطق، بينما يظل اقتناء مسكن بهذه المساحة مرتبطا بالعثور على عرض يقل فيه سعر المتر المربع عن خمسة آلاف درهم.
ورغم استمرار وجود عروض ضمن هذا السقف، فإنها لا تمثل بالضرورة خيارات واسعة أمام الراغبين في اقتناء سكن عائلي، إذ تظهر إعلانات منشورة على منصة “مبوب” شققا بمساحات تتراوح بين 48 و55 مترا مربعا في مناطق من مغوغة وبوخالف، بأسعار تتراوح بين نحو 275 ألفا و320 ألف درهم.
وتعكس هذه العروض تقلص المساحات المتاحة مقابل المبلغ المذكور، مع الإشارة إلى أن الأسعار المنشورة تمثل أثمانا يطلبها البائعون، وقد تختلف عن الأسعار النهائية للمعاملات العقارية.
وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع لافت في عدد الأسر بمدينة طنجة، إذ تكشف نتائج الإحصاء العام للسكان والسكن لسنة 2024 أن عدد الأسر داخل الجماعة ارتفع من 239 ألفا و243 أسرة سنة 2014 إلى 362 ألفا و62 أسرة سنة 2024، بزيادة بلغت نحو 123 ألف أسرة خلال عشر سنوات.
وفي الفترة نفسها، ارتفع عدد سكان المدينة من نحو 948 ألف نسمة إلى أكثر من مليون و275 ألف نسمة، فيما تجاوزت وتيرة ارتفاع عدد الأسر، البالغة 51.3 في المائة، النمو السكاني الذي استقر عند نحو 34.5 في المائة.
وسجلت مقاطعة بني مكادة النصيب الأكبر من هذه الزيادة، بعدما ارتفع عدد الأسر بها من 91 ألفا و737 أسرة إلى 150 ألفا و816 أسرة، بزيادة قاربت 59 ألف أسرة، بينما ارتفع العدد في طنجة المدينة من نحو 66 ألف أسرة إلى أكثر من 107 آلاف أسرة، وفي الشرف مغوغة من حوالي 50 ألفا إلى أكثر من 70 ألف أسرة.
ويبرز هذا التطور اتساع الحاجة إلى وحدات سكنية مستقلة، خصوصا في الأحياء التي تستقطب أعدادا متزايدة من الأسر، دون أن يعني ارتفاع عدد الأسر بالضرورة وجود عجز مماثل في الوحدات السكنية المتاحة.
وفي مؤشر آخر، تكشف بيانات المندوبية السامية للتخطيط عن تحول في طبيعة إشغال المساكن بعمالة طنجة أصيلة، حيث تراجعت نسبة الأسر المالكة لسكنها في الوسط الحضري من 51.4 في المائة سنة 2014 إلى 47.6 في المائة سنة 2024، مقابل ارتفاع نسبة الأسر المستأجرة من 36.3 إلى 42.3 في المائة.
وبهذه النسبة، سجلت عمالة طنجة أصيلة أعلى مستوى للكراء بين عمالات وأقاليم جهة طنجة تطوان الحسيمة، في تطور يعكس اتساع وزن الأسر المستأجرة مقابل تراجع حصة المالكين خلال العقد الأخير.
كما أظهرت نتائج الإحصاء ارتفاع نسبة الأسر الحضرية التي تقطن مساكن تتكون من غرفة أو غرفتين من 43.6 في المائة إلى 51.9 في المائة، مقابل تراجع نسبة الأسر التي تشغل مساكن تضم أربع غرف أو أكثر من 24.8 إلى 14.2 في المائة.
ولا تسمح هذه المعطيات وحدها بتحديد الأسباب المباشرة لتراجع التملك أو تغير أحجام المساكن، لكنها تقدم مؤشرات على التحولات التي يعرفها الوضع السكني بالمدينة ومحيطها الحضري، في وقت تتزايد فيه صعوبة اقتناء شقة بالميزانيات المنخفضة.
وفي المقابل، لا تعكس المؤشرات الرسمية للمعاملات العقارية ارتفاعا منتظما للأسعار، إذ سجل بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية تراجعا في مؤشر أسعار الأصول العقارية بمدينة طنجة بنسبة 3.9 في المائة خلال الربع الأول من سنة 2026، بالتزامن مع انخفاض عدد المعاملات بنسبة 36.4 في المائة.
غير أن الربع الثاني من السنة شهد ارتفاعا في مؤشر الأسعار بنسبة 2.3 في المائة، وزيادة في عدد المعاملات بنسبة 11.5 في المائة، ما يعكس تذبذب حركة السوق، دون أن يقدم دليلا على تحسن فرص الحصول على سكن في حدود 300 ألف درهم.
ويعود ذلك إلى أن المؤشر الرسمي يقيس تطور أسعار العقارات التي شملتها المعاملات، ولا يقدم توزيعا تفصيليا للشقق بحسب شرائح الأسعار، بما يسمح بتحديد نسبة الوحدات السكنية التي لا يتجاوز ثمنها 30 مليون سنتيم بمدينة طنجة.
ويزيد احتساب مصاريف اقتناء العقار من صعوبة الالتزام بهذا السقف المالي، إذ تبلغ رسوم التسجيل في الحالة العامة أربعة في المائة من قيمة البيع، تضاف إليها الرسوم النسبية للمحافظة العقارية وأتعاب التوثيق والمصاريف الأخرى، مع مراعاة حالات الإعفاء والأنظمة الخاصة.
وبالنسبة لشقة يبلغ ثمنها 300 ألف درهم، تصل رسوم التسجيل والمحافظة العقارية النسبية وحدها إلى 16500 درهم، ما يرفع الكلفة إلى 316500 درهم قبل احتساب باقي المصاريف.
ويتيح برنامج الدعم المباشر للسكن تخفيف العبء المالي عن المشترين المستوفين لشروط الاستفادة، من خلال تخصيص 100 ألف درهم للمساكن المؤهلة التي لا يتجاوز سعرها 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للمساكن التي يتراوح سعرها بين أكثر من 300 ألف و700 ألف درهم.
لكن أثر هذا الدعم يختلف بحسب الوضعية المالية للمستفيد، إذ يساعد على رفع سقف قيمة المسكن الذي يستطيع اقتناءه، دون أن يضمن بالضرورة توافر شقق بأسعار منخفضة في الأحياء التي يرغب في الاستقرار بها.
وتضع هذه المعطيات الأسر التي لا تتجاوز ميزانيتها 30 مليون سنتيم أمام خيارات محدودة نسبيا، تتعلق أساسا بالمساحة والموقع وحالة العقار، بعدما أصبحت الأسعار المرجعية لشقة متوسطة المساحة تتجاوز هذا السقف في عدد واسع من مناطق طنجة.
ورغم أن استمرار وجود عروض دون 300 ألف درهم يحول دون الحديث عن اختفاء هذه الفئة من السوق، فإن تراجع نسبة التملك واتساع الكراء وارتفاع عدد الأسر، إلى جانب مستويات الأسعار المسجلة، تقدم مؤشرات على صعوبة متزايدة في الوصول إلى السكن بالنسبة للمشترين محدودي الإمكانيات.
وتبقى معرفة مدى تقلص هذه الفئة من المساكن مرتبطة بتوافر بيانات تفصيلية حول عدد الشقق المبيعة فعليا داخل طنجة بأسعار لا تتجاوز 300 ألف درهم، ومدى تطور حصتها من إجمالي المعاملات خلال السنوات الأخيرة، وهي معطيات لا تتيحها المؤشرات العقارية الرسمية المنشورة حاليا.







