مات غروس على نيويورك تايمز: تائه في أزقة طنجة
ads980-250 after header

الإشهار 2

مات غروس على نيويورك تايمز: تائه في أزقة طنجة

إشهار مابين الصورة والمحتوى

مات غروس

ترجمة: يوسف تجديت

في شهر يوليوز وقت الظهيرة، كانت طنجة مدينة أشباح. مع تراجع الظلال إلى الجوانب، حتى في أضيق الأزقة المصفرة أرضيتها، توارى السكان وراء الأبواب الخشبية السميكة لبيوتهم لتناول وجبة الغداء أو للاسترخاء داخل محلاتهم لبيع القطع الأثرية الفضية. كان الجو حارا ولا يزال على الرغم من النسيم الذي كان يهب من حين لآخر من البحر الأبيض المتوسط، ولم يجرؤ سوى الحمقى على الخروج – أي الأشخاص مثلي أنا على سبيل المثال.

لم أكن متواجدا في الخارج فحسب، بل كنت أتحرك بسرعة تحت الشمس وأدور منزوايا الأزقة وأتبع الطرق الملتوية دون تفكير. وبشكل غرائزيوكلي إحساسبأنني أقرب إلى هدفي،درت يسارًا عند مقهى سنترال المقهىالذي شكل لعقودواحدا من الأمكنة في المدينة التي تشاهد فيها الناس. ربما يوجد المكان عند قمة تلك الدرجات المتعرجة، أو قرب ذلك المسجد غير المألوف أو عبرذاك القوس حيث كانت المرأة المنقبة تملأ دلوا من الماء من المضخة، لكنه كان قريبا. أمكنني أن أعرف لأن  كل شيء كان جديدا.

وصلت أخيراإلى قمة الدرج، فنظرت حولي واكتشفت بأنني قد كنت هنا من قبل. كان هناك نفس متجر البقالة المتواضع الذي يبيع دوائر الخبز وأمامه الرجال المسنونذووالنظارات ذات الإطار السلكي والجالسون على المقاعد، ومن وراءهم الحي الصغير حيث كان كل طفل من الأطفال الذين يركلون كرة قدم يقلد مبتسما حركة مفتاح في قفل ليوحيإلي بأن المنطقة كانت مسدودة، لأنكل شارع ينتهي بطريق مسدود. تنهدت ثم بدأت في التعرق، كنت أعرف بالضبط أين كنتوفشلت للمرة التريليون أن أتيه خلال الأيام القليلة الماضية.

بالنسبة لبعضكم، قد تبدو هذه مهمة غريبة الأطوار. لكن الحقيقة بكل بساطة هي أنني لم أتعرض للتيهان منذ رحلتي الأولى إلى الخارج، منذ ما يقرب من 30 عامًا. حيث حدث ذلك خلال عرض للألعاب النارية في تيفولي، حديقة الملاهي الكبرى في وسط مدينة كوبنهاجن. بسبب الإثارة ابتعدت عن والدي، وعندما تلاشى صوت المفرقعات وتفرقت الحشود، أدركت أنني لم أكن أعرف مكانه، والأسوأ من ذلك أنني لم أكن أعرف أين كنت. وبسبب شعري الأشقر وعيوني الزرقاء، لم يكن بالإمكان تمييزي عن أي طفل دانماركي. اختلطت بهم وكنت تائها.

ومنذ ذلك الحين، تمكنت من تطوير حس جيد بمعرفة الاتجاهات. أنا أخطئ (فقط أسأل زوجتي)، لكنني لا أنسى أبداطريق العودة من المكان الذي انطلقت منه. إن التوفر على المعرفةبالاتجاه هو شيء لا يمكنك تعطيله. فكل التفاصيل من زاوية الشمس إلى اتجاه الرياح، كلها عوامل تساهم في تكوين خريطة ذهنية يرسمها دماغك لا شعوريا. إن الأمر أشبه بتعلم القراءة: ففي اللحظة التي تعرف كيف تفعل فيها ذلك، لا يمكنك العدول عن فعله.

ولهذا السبب كنت أتساءل في الآونة الأخيرة ، كيف تشعر حقًا ألا تعرف مكانك؟ هل تدلنا الكتب السياحية وأجهزةتحديد المواقعوالمنتديات الموجودة على الإنترنت نحو الاتجاه الخاطئ؟

ولهذا، في هذه السلسلة الجديدة التي سأطلق عليها “Getting Lost”  سأحاول كل بضعة أشهر أن أتيه في مكان من العالم، من المدن الكبرى في العالم النامي إلى العواصم الأوروبية، من الزحف العمراني الأمريكي حتى الأرخبيل الآسيوي. (في الوقت الحالي ، سأتجنب البرية والصحارى العميقة لأنني أريد البقاء على قيد الحياة.) إنه تحد يتطلب تحضيرات خاصة – أي عدم االتحضير له من أساسه. في الماضي ، كنت قد بحثت عن وجهات إلى الموت، وقمت بالبحث بشكل متعمق في خرائط Google واكتشفت مطاعم غير معتادة في أحلك مواقع الويب. أما الآن فأنا أتجنب الخرائط و ابتعد عن منتديات السفر كما لن أسأل أصدقائي على الفيسبوك الذين يعرفون أمكنة موسكو أو أديس أبابا.

بكل باختصار، فأنا أحاول التحرر من قيود السفر الحديث، ثقافة يتم فيها التخطيط الدقيق لكل دقيقة وتصنيف الوجهات بناء على الكيفية التي ترقى إلى مستوى توقعاتنا. لا أريد أن تكون لدي أي توقعاتفأنا أخطط للذهاب إلى مكان مادون حجز الفنادق أو وجود مرشد سياحي. فبدلاً من ابتكار برنامج رحلة خاص بي، سأسمح للمكان نفسه بتوجيهي، وعند القيام بذلك  سوف أجد نفسي متورطا في مواقفلم أكن أتخيلها أبداً.

لا أستطيع أن أؤكد بما فيه الكفاية على غرابة هذا الفعل. فعلى مدى خمس سنوات، كنت كاتب رحلات بدوام كامل، أما الآن فأنا  أتخلى عن الاستراتيجيات وقوائم المهام والبحث عن اتجاهات المكان الذي سأسافرإليه وكذلك كيفية الوصول إليه.

بدت طنجة نقطة انطلاق جيدة. فهي لا تمتلك فقط مدينة قديمة رائعة تبشر بغنىجغرافي، بل أيضا هي نفسها تائهة في الزمان والمكان. فمنذ العصور القديمة، كانت طنجة – قرب البحر الأبيض المتوسط، على بعد ما يقرب 14 كيلومترا من إسبانيا – منطقة غير محددة بين أفريقيا وأوروبا، ولم تكن تنتمي تمامًا إلى أي منهما، على الرغم من كونها خاضعة للسيطرة سابقا من قبلقوات القرطاجيينوالرومان والبريطانيين والإسبان والبرتغاليين والفرنسيين والعرب.

وتعود شهرة طنجة اليوم في أمريكا إلى بول بولز، الروائي والملحن الذي استقر هناك عام 1947، و”جيل البيت” الذي تبعه بحثًا عن رخاء العيش والعيشبغرابة. وعلى مدى بضعة عقود، كانت طنجة منتزها للأثرياء والأدبيين، ولكن بحلول ثمانينات القرن العشرين أصبحتمنهارة وكئيبة. وشعر صديقلي – سبق له أن زارهاعام 1998 – بالفزع عندما أخبرته بأنني سأكون هناك لأكثر من أسبوع .ولكن ما الذي قد يكون أكثر جاذبية لرجل طَموحتائه من غير هذا الخلاء الفوضوي، عديم المستوى والمستقبل؟

كتبت إديث وارتون في عام 1918، عندما جاءت هي الأخرى إلى المغرب من دون مرشد سياحي (لأنه لم يكن هناك واحد)، بأن طنجة كانت عبارة عن “إحساس يثير جوع حتى أكثر عشاق المناظر شبعا.”

عند وصولي إلى طنجة وفي العشية الأولى، رأيت قلق صديقي الذي كان في غير محله: كانت هذه المدينة تسير في اتجاه معين. ففي ضواحيها، كانت تبنىمجمعات سكنية ضخمة بتمويل من شركات الاستثمار القطرية. وأخبرني سائق سيارة الأجرة بأنه: “لا توجد أزمة اقتصادية هنا”.

في وسط المدينة، تواجدت المنتزهات الخضراء على طول الشوارع، وكان الرجال والنساء (كان بعضهم مرتدياللزي الغربي بينما ارتدى الآخرون جلابيب ذات أقباب وكأنها حادة عند نهايتها) يبحثون عن الظل تحت أشجار النخيل. ثم جاء منظرالأرصفة المثالية، مع علامات تشير إلىTanger-Med  ميناء الشحن الذي دشنه الملك محمد السادس، الذي تولى العرش عام 1999 وقرر تنشيط المنطقة، وإعادة طنجة إلى مكانتها كبوابة اقتصادية وثقافية تطل على الغرب.

لكن الحداثة التي تمثلت في الشبكة الطرقية والملاحة لم تكن ما احتاجه. عوضا عن ذلك، أخبرت سائق سيارة الأجرة بإنزالي بالقرب من ميناء الركاب القديم في آخرالمدينة، تلك المتاهة القديمة والمليئة بالحيوية التي أتاحت لي الفرصة التي لطالما حرمت منها بالانخراط في أحد الأنشطتين المفضلتين لدي: التجول بلا هدف. (سننتقل إلى النشاط الآخر قريبًا) أما الآن، فإن التجول بدون هدف ليس سهلاً كما يبدو. حيث تميل رغباتك الخفية إلى توجيهك: هل أريد حقا صعود تلك الدرجات المتداعية إلى طريق مسدود محتمل؟ هل هذا الشارع الذي يحتويعلى أكشاك الشاوارما وباعة قمصان كرة القدم يستحق أن يزار؟ وغالبًا ما يصبح هذا النشاط عفوا.

الحل الخاص بي ؟إنه الخضوع. هل سأغادر عبر هذا الفناء، أو على طول هذا الطريق المرصوف بالحصى؟ لا تسألني بل اسأل خطوات قدمي. استسلمت كل يوم لأهواء أقدامي، وجمعت عددا منالمشاهدفي المدينة والتي تمثلت في: الأشكال الهندسية المتناغمة، والأقواس والقباب التي تقطعها الظلال،ثم ساحة صغيرة حيث غنت الطيور في قفص ضخم في فترة ما بعد الظهر، ورجل أعمى يلبسقبعةللصلاة جالس إلى جانب جدار مجصص وآخر يصقل الجرار البرونزية علىمدخلمبلط بشكل نابض بالحياة لفندق قديم.

“عماذا تبحث؟ إلى أين أنت ذاهب؟ ” سألني المرشدون السياحيون بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية. “هل تريد رؤية القصبة؟”هل تريد الحشيش؟” تجاهلتهم وصددتهم عني بالرفض، وأخبرتهم بكل شيء ما عدا الحقيقة – بأنه لم يكن قراري بالكامل بل قرار اتخذته أقدامي.

كانت كثافة أبنية المدينة غريبة إذ أنها تقاربت مع بعضها البعض، وخلقت مزيجا من الزوايا المغلقة. وكانت الأبنيةمزدحمة في بعض الأحيان مع تسوق النساء للبطيخ، والدراجات النارية التي تنقل رزم النعناع. لكن كل ذلك استطاع الاختفاء في لحظة بعد أن توجهت إلى زاوية ولم أجد إلا مستطيلاً من الإسمنتوالذي كان منزلاً في السابق كما لو أن طفلا عملاقاأتى والتقفه ببساطة من النسيج الحضري.

مع عدم وجود أي شيء على جدول برنامجي، قمت بالمهام اعتباطيا. فإذا حصل ومررت على بائع عصير برتقال، سأطلب كوبا. عندما شاهدت “مطعم فيكتوريا” المتواضع، توقفت لتناول طبقمن الفاصولياء والسردين المقلي المحشو بالثوم والبقدونس. عندما مررتبرجل مغربي جالس على حافة الرصيف مع ابنته ذات الشعر المجعد البالغ عمرها 11 عامًا وأمامهما زوج من قصبات الصيد، توقفت لأطلب رأيه حول ماهية الأبوة،حيث أجابني بأنه يجب أن”تكون أستاذًا وساحرا وراقصا”، كما توقفت لأشاهد صيد اليوم والذي كان عبارة عن أخطبوط متلو. في أعلى القصبة، التي كانت عبارة عن حصن مسور على قمة المدينة، دخلت إلى متحف القصبة، حيث انتهكت أحد قواعدي حينما قمت بمعاينة خريطة بحجم الجدار لطرق التجارة المتوسطية القديمة.

كانت القصبة أيضا المكان الذيبدأت فيه نشاطي المفضل الآخر وهو الجلوس بلا حراك. ففي هذا المكان وجدت مقهى Le Salon Bleu، وهو مقهى في الهواء الطلق على السطح حيث لا يكونأي مثيل للمناظر المشاهدة من هناك مساء – من المدينة القديمة إلى الشواطئ إلى المنازل المبنية على التلال في الضاحية البعيدة لمالاباطا-. وبعد شرب الشاي بالنعناع أو عصير البطيخ، أشاهد أراضى إسبانيا تزداد ضبابية مع غروب الشمس، والرجال ذوي الجلابيب والكوفيات يتجمعون في الساحة للثرثرة. في إحدى الأمسيات، في الفناء المجاور، حضر الغربيون ذوو الشعر الأبيض حفل عشاءمغربيا نمطياراقيا.

كانلكل وقت أمارس فيه نشاط عدم الحركة مكانا مناسبا له. ففي الصباح الباكر، كان فندق كونتيننتال، وهو عبارة عن بناء ضخم يعود إلى الحقبة الاستعمارية، متهالكابسبب عتاقته ولكنه حافظ على نفسه بما يكفي (من ناحية الطلاء الجديد وخدمة الواي فاي المجانية والموظفين المبتهجين) ليكون مريحا. قد استيقظ على منظر السقوف العالية والنافذة التي تطل على الميناء القديم، وبعد ذلكأجلس من أجل القهوة والكرواسان على الشرفة، وأفكر في الأسماء اللامعة لأولئك الذين أقاموا هنا قبلي: ديغاس، ديلاكروا ، ماتيس ، كيرواك.قبل الغداء، يمكنك أن تجدني في طاولة خارج Les insolites وهو عبارة عن متجر لبيع الكتب ومقهى في شارع هادئ للمشاة. بعد الغداء، أجلس في واحدة من نصف المقاهي المتواجدة خارج القنصلية الفرنسية – Gran Cafe de Paris وهو مقهى كلاسيكي ، لكن القهوة السوداء المقدمة في Semiramis تبقى أفضل – شاهدت كل شيء من سيارة رولز رويس تحمل لوحة ترقيم دبي إلى عربةحمل أطفالصغيرة تمر بالقرب.

شعرت بالذنب بقدر ما استمتعت بالبقاء في مكان واحد. أرادنيالكاتب الذي يوجد بداخلي (أو ربما فقط ذلك الكافيين من القهوة) أن أنهض من مقعديبحثا عن أماكن. كيف يمكنني أن أكتفي بالجلوس هناك؟

لكن كان لنشاط الجلوس هذا فوائده. بعد ظهر أحد الأيام، في مقهىCinémathèque de Tanger ، وهو منزل فني تم ترميمه ويعرض صور Jacques Tati، سمعت اسمي: “مات؟” نظرت لأكتشفبعدها امرأة شابة تحدق في وجهي. هل قابلتها من قبل؟ هل كانت صديقا قديما نسيت اسمه؟ أصابتني نوبة منالإحراج حين وقفت لمصافحتها، ولكنها بعد ذلك أوضحت موقفها. كان اسمها ميشيل فان، وهي شابة من شيكاغو تبلغ من العمر 22 عاما، وقد تعرفت على مقاطع الفيديو التي كنت قد أنتجتها لصحيفة نيويورك تايمز.

أعتقد أنني تعرفت على شيء أيضا. كانت ميشيل مستكشفة كذلك، أي أنه كان لدي شريك في الجريمة.

انطلقنا ذلك المساء نحو مقهى الحافة، وهو مقهى شهير قالت ميشيل إنها قد زارته. تبعتها عبر الطريق الذي تضمن منعطفا لمدة 45 دقيقة عبر القصبة. وفي النهاية، وصلنا إلى حي مرشان، وهو حي يقع غرب المدينة، حيث تفصل الشوارع الكبرىبين المنازل الجد المتهالكة والقصور شديدة النظافة. كانت الشمس متوجهة نحو المحيط الأطلسي، وأخذتنا ميشيل من جانبطريق إلى آخر، ولم يكن على نهاية أحد منها مقهى الحافة. ومع ذلك، وصلنا إلى مقبرة المسلمين التي كانت متلألئة في وقت الغروب، وبيت مهجور به حدائق فخمة. في نهاية المطاف، طلبنا توجيهات من الحرس ذوي السلاح الرشاش الذين افترضنا أنهم كانوا يحرسونإقامة ملكية، وأرسلونا مباشرة إلى المكان. بعد خمس دقائق، كنا جالسين بأحد مدرجات مقهى الحافة، حيث كنا نحتسي الشاي بالنعناع وننظر إلى البحر.

اندمجت بسرعة مع ميشيل وأصدقائها في المحيط الفني. فمع أحد صديقاتها، طرقنا بابا فولاذيا بالمدينة القديمة وتم استقبالنا بالمقبرة اليهودية القديمة، مكان متواجد على قمة عالية حيث كتب على صخور القبور بالعبرية والإسبانية والتي تعود إلى أقلية تشرف على الانقراض. ومع صديقة أخرى لها، ذهبنا إلى الميناء الذي يغص ببواخر الصيد وصف من المطاعم حيث كان الجميع – بما فيهم نحن – نأكل بأيدينا من أطباق القريدس والسمك المقليين. وبعد الزوال في يوم من الأيام، تسللنا إلى داخل مسرح سيرفانتيس الذي افتتح سنة 1913 والذي أصبح أطلالا اليوم، ولا تزال نوافذه الملطخ زجاجها نابضة بالحياة تحت طبقات من الغبار.

تساءلت في كثير من الأحيان عما إذا كنت قد اتخذت القرار الصحيح في مصاحبة هؤلاء الأصدقاء الجدد. لطالما كنت أتخيل أن أقوم بنزهاتيوحيدا – لأن العزلة فقط قد تؤدي إلى اكتشاف أماكن جديدة. وبالفعل، سأقترب من مكان كذلك بمفردي. بعد ظهر أحد الأيام، عدت إلى مرشان واكتشفت ساحة اصطفت فيها عواميد إغريقية، تؤدي إلى حافة الجرف. وفي أسفله حي صغير لم ألاحظه من قبل، ومنهذه المتاهة الصغيرة، أتىصوت قرع طبول محموم. كان هنالك حفلة زواج. قفزت على الصخور وأنا أتوقع أن يظهرقارعو الطبول. وعلى الرغم من كون دقاتهم تسمع في الشوارع، إلا أن الموسيقيين أنفسهم لم يظهروا أبدا. وفي النهاية تراجعت، واكتفيت بالاستماع إلىإيقاعات موسيقى متواجدة بمكان متوار دائما عن أنظاري.

على الرغم من أنني كنت أعتبر طنجة مدينة مفقودة في البداية، إلا أنني كنت مخطئا.لقد شكلت المكان الذي كنت متواجدا فيه على أعتاب عالمين، أحدهما معروف والآخر لغز. لقد كان صديقي الذي يخاف من طنجة على حق لأنها مدينة “ستمر عبرها”ولن “تتمكن من زيارها”حتى لو قضيت عمرك كله هناك مثل بول باولز. كان هدفي ينصب على عبور بوابات المدينة القديمة، ولكنني قضيت أكثر من أسبوع في زيارة أماكن أقرب مني. اتضح أن طنجة نفسها هي البوابة، نقطة الانطلاق، والآن، بعد أن تجولت في ممراتها التي توقف فيها الزمن، يمكنني المضي قدماإلى الجانب الآخر – أينما كان ذلك.

 

المصدر:Source


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا