دقت مؤسسات تعليمية في مدينة طنجة مبكرا ناقوس الخطر إزاء تزايد ظاهرة غياب التلاميذ عن الفصول الدراسية مع انطلاق الموسم الجاري، في وقت أظهرت فيه دراسة علمية حديثة أن إدارات 43.1% من المدارس في المملكة تصنف هذه الظاهرة كـ”مشكلة خطيرة”.
وسارعت عدة مدارس بطنجة، منذ منتصف شتنبر الماضي، إلى مراسلة أولياء الأمور محذرة من تسجيل “غيابات مقلقة” في صفوف التلاميذ.
وأعلنت مؤسسات، من بينها ثانوية “مولاي يوسف” التقنية وثانوية “محمد بن عبد الكريم الخطابي”، عن تطبيق صارم لآليات المراقبة الفورية، داعية الأسر إلى التدخل العاجل لضمان انتظام أبنائها وربط الحضور بالتحصيل والانضباط.
وتأتي هذه الإنذارات المبكرة في أسابيع يفترض أن تشهد ذروة الانضباط المدرسي، لتتزامن مع توجه وزارة التربية الوطنية المغربية نحو تشديد الرقابة عبر النظام الإلكتروني “مسار”، بهدف إشعار الأسر فورياً بأي انقطاع مؤقت عن الحصص.
على الصعيد الوطني، كشفت دراسة علمية نشرتها مجلة “Large-scale Assessments in Education” التابعة لمؤسسة “Springer Nature”، أمس الثلاثاء، عن أبعاد أعمق للمشكلة.
واستندت الدراسة إلى بيانات 232 مؤسسة تعليمية ضمن تصنيف “TIMSS 2023” لتلاميذ السنة الثانية من التعليم الإعدادي، لتخلص إلى أن أكثر من 43% من مديري هذه المؤسسات يرون في غياب التلاميذ معضلة حقيقية (بمجال ثقة يتراوح بين 29.2 و57%).
وأبرز الباحثون المغاربة المشرفون على الدراسة وجود ارتباط إحصائي قوي (بنسبة أرجحية بلغت 8.24) بين التحديات المتعلقة بتأخر وغياب الكادر التعليمي، وبين اعتبار الإدارات غياب التلاميذ مشكلة خطيرة.
وأوضحت الدراسة أن هذا الارتباط لا يعني بالضرورة علاقة سببية مباشرة، بل يعكس تأثير “البيئة التنظيمية” للمؤسسة على التزام طرفي العملية التعليمية.
كما رصدت الدراسة تقاطعاً وثيقاً بين تفاقم الظاهرة والعوامل السوسيو-اقتصادية؛ إذ ارتفعت احتمالية حدة الغياب في البيئات التي تعاني حرماناً بنسبة أرجحية معدلة بلغت 2.91.
وتشمل هذه العوامل تحديات النقل، والمسافة الجغرافية، والضغوط الأسرية، وهي ذات التحديات التي تواجه تلاميذ الأحياء الطرفية في طنجة المكتظة سكانيا.
في المقابل، استبعدت النتائج وجود تأثير إحصائي ملحوظ لعوامل أخرى كالموقع القروي، أو جودة الاتصال بالإنترنت، أو الموارد التعليمية المتاحة.
وأوصى معدّو الدراسة بضرورة تجاوز الاعتماد على استمارات تقييم المديرين، والتوجه نحو ربط قياس الظاهرة بالسجلات الإدارية اليومية الدقيقة، داعين إلى توسيع الأبحاث لتشمل تأثير الوضع الصحي والأعباء الاجتماعية على حضور التلميذ.
وفي تشخيص ميداني يتقاطع مع الخلاصات العلمية، أكد عبد العزيز ميمون، رئيس فيدرالية جمعيات الثانوي التأهيلي لأمهات وآباء وأولياء التلاميذ، أن تفشي الغياب، خاصة في المرحلة الثانوية، تحول إلى “ظاهرة مقلقة” تفرزها مسببات متداخلة؛ يتصدرها تراجع حافز الاجتهاد لدى التلاميذ بسبب ما وصفه بـ”الوضع العام وتفشي بطالة الخريجين، وسيادة المحسوبية والزبونية في سوق الشغل”.
وأوضح ميمون في تصريح لجريدة طنجة 24 الالكترونية، أن التفكك الأسري وسوء استخدام التكنولوجيا فاقم الأزمة، مشيرا إلى أن “إدمان الهواتف ووسائل التواصل يتزامن مع فقدان العديد من الآباء السيطرة على أبنائهم لدرجة أصبحوا فيها غرباء عن بعضهم”، ومحمّلاً الأسر مسؤولية غياب التتبع والمراقبة خارج أسوار المؤسسات.
ولم يستثنِ المتحدث الإدارة التربوية من تحمل المسؤولية المباشرة، منتقداً ضعف تواصلها مع التلاميذ وأولياء أمورهم، والاكتفاء بطرد التلميذ ومطالبته بإحضار ولي أمره، وهو ما يدفعه نحو الشارع في ظل علاقته المتوترة أصلاً بمسارته الأسرية.
كما لفت رئيس الفيدرالية إلى وجود إكراهات بنيوية وتنظيمية تعمق الظاهرة، تتمثل أساساً في الاكتظاظ الذي يحد من قدرة التلاميذ المتعثرين دراسياً على مسايرة زملائهم، مما يدفعهم إلى الغياب كخطوة تمهد للانقطاع النهائي.
وينضاف إلى ذلك النقص الملحوظ في الموارد البشرية، لاسيما في صفوف الحراس العامين والملحقين التربويين. وانتقد بنميمون حصر الإدارة التربوية لدور جمعيات الآباء في الجانب المادي لتغطية نفقات التسيير، مقابل إغفال تام للأدوار النفسية والاجتماعية والتحفيزية التي يحتاجها التلميذ.
وتظل هذه الخلاصات الميدانية والعلمية مرآة عاكسة للقلق المتنامي في المدارس المغربية عامة، ومدارس طنجة على وجه الخصوص، التي باتت تضع الغياب المتكرر في صدارة التحديات الإدارية والتربوية، في انتظار الكشف عن البيانات الرسمية المفصلة لمقارنة حجم الظاهرة بمستويات الأعوام السابقة.







