في مثل هذا اليوم من عام 1578، لم تكن ضفاف نهر وادي المخازن شمال المغرب مسرحا لمعركة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى مقبرة لطموحات إمبراطورية أوربية ونقطة انطلاق لواقع جيوسياسي جديد في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وبعد مرور 448 عاما، تستعيد الذاكرة التاريخية تفاصيل “معركة الملوك الثلاثة” التي أسست لمرحلة مفصلية أوقفت المد التوسعي البرتغالي وأعادت ترتيب موازين القوى.
وتأتي الذكرى، التي تحرص المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على تخليدها سنويا بموقع المعركة في جماعة السواكن بإقليم العرائش، لتسلط الضوء على ظرفية دولية بالغة التعقيد.
ففي النصف الثاني من القرن السادس عشر، كان شمال إفريقيا ساحة تنافس مباشر بين الإمبراطورية العثمانية والقوى الإيبيرية (البرتغال وإسبانيا) التي كانت تحتل موانئ استراتيجية على الواجهة الأطلسية للمغرب، أبرزها العرائش، بحثا عن تأمين طرق التجارة وتوسيع النفوذ.
تكتيك الاستدراج وعزل القوة البحرية
أمام هذا المشهد الجيوسياسي المحتقن، أظهر السلطان عبد المالك السعدي حنكة سياسية وعسكرية استثنائية.
فبدل الدخول في مواجهة مفتوحة وسريعة، اعتمد استراتيجية كسب الوقت عبر إطلاق مسار تفاوضي مع ملك البرتغال الشاب، دون سبستيان، مما أتاح للقيادة المغربية فرصة ترتيب الصفوف وتجهيز الجيش وقراءة النوايا التوسعية للخصم.
وبمجرد إبحار الأسطول البرتغالي الضخم من لشبونة ورسوه بسواحل طنجة وأصيلة، تجنب السلطان المغربي الاشتباك الساحلي الذي كان سيمنح التفوق المطلق لمدفعية الأسطول البرتغالي.
وعوضا عن ذلك، قاد قواته نحو الداخل في اتجاه القصر الكبير، موجها رسائل تحدٍ لملك البرتغال لدفع قواته نحو التوغل البري. وقد نجحت الخطة في استدراج الجيش البرتغالي، المكون من عشرات الآلاف من الجنود والمرتزقة، لقطع مسافات طويلة في ظروف مناخية قاسية، ما أدى إلى عزلهم تماما عن خطوط إمدادهم البحري الذي كان يشكل مركز ثقلهم الاستراتيجي.
سقوط الملوك وإعادة رسم الخرائط
وبلغ التكتيك العسكري ذروته حين عبرت القوات البرتغالية نهر وادي المخازن وروافد اللوكوس، حيث أصدرت القيادة المغربية أوامرها بتدمير الجسر الوحيد الذي يربط ضفتي النهر.
حول هذا القرار الميداني ساحة المعركة إلى كماشة أطبقت على جيش لشبونة الذي وجد نفسه محاصرا من كل الجهات، لتنتهي المواجهة بهزيمة عسكرية ساحقة للبرتغاليين ومقتل الملك دون سبستيان وحليفه محمد المتوكل الذي غرق أثناء محاولته الفرار.
وفي واحدة من أندر الوقائع في التاريخ العسكري، سجلت المعركة وفاة السلطان عبد المالك السعدي متأثرا بمرضه أو بسم قيل إنه دس له، إلا أن دائرته المقربة تكتمت بصرامة على الخبر وواصلت تسيير المعركة وإصدار الأوامر باسمه، حفاظا على تماسك الجيش ومعنوياته حتى إنجلاء غبار المعركة وإعلان الانتصار النهائي.
ولم تقتصر تداعيات معركة وادي المخازن على إنهاء الأطماع التوسعية لجيش برتغالي كان يصنف ضمن أقوى القوى العالمية حينها، بل أدخلت البرتغال في أزمة سياسية وعسكرية خانقة انتهت بضمها لاحقا إلى التاج الإسباني وفقدانها لاستقلالها.
في المقابل، خرج المغرب من هذه المواجهة كقوة إقليمية مهابة، ودخل مرحلة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي غير المسبوق، وهو الرصيد التاريخي الذي يتجدد استحضاره اليوم لتكريس قيم الدفاع عن السيادة والوحدة الترابية في مواجهة التحديات المستمرة.







