تواجه مكتبة عبد الله كنون بمدينة طنجة وضعا استثنائيا يتمثل في استمرار إغلاقها حتى أواخر عام 2026، بعد أن تحول مشروع تحديث بنايتها التاريخية إلى سلسلة من الأشغال والاتفاقيات المعدلة، مما يعطل دورها العلمي الممتد لأكثر من أربعة عقود.
وتكشف المعطيات الميدانية والإدارية عن مفارقة واضحة؛ فبينما أكد رئيس مؤسسة عبد الله كنون للثقافة والبحث العلمي، محمد كنون الحسني، في فبراير 2025 اكتمال الإصلاحات وقرب إعادة الافتتاح، أطلقت الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بجهة طنجة تطوان الحسيمة، في يوليوز الماضي، طلب عروض جديد لاستكمال أشغال التهيئة، بكلفة تقديرية تناهز 1.48 مليون درهم.
ويضع هذا المسار المشروع أمام تساؤلات جدية حول مدى اكتمال الأشغال السابقة، ومصير الالتزامات المتعلقة بتجهيز قاعات المطالعة، ورقمنة الرصيد الوثائقي الهام، فضلا عن غياب أفق زمني واضح لانتقال المؤسسة من مرحلة الترميم إلى التشغيل الفعلي.
وبدأ المسار الرسمي للمشروع في يوليو 2021، إثر مصادقة مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة على اتفاقية شراكة مع قطاع الثقافة ومؤسسة عبد الله كنون، بغلاف مالي بلغ 6.15 مليون درهم. شملت الاتفاقية حينها تخصيص 4.76 مليون درهم للتهيئة، و1.39 مليون درهم للتجهيز والرقمنة.
إلا أن المشروع شهد تعديلا جوهريا في يوليوز 2023. فقد أظهرت الدراسات والخبرات التقنية لمبنى المكتبة (الذي يعود لعام 1910) تدهورا إنشائيا يتطلب تدخلات أوسع.
وبناء على ذلك، اقتصر نطاق الاتفاقية المعدلة على أشغال التهيئة بدل التهيئة والتجهيز، مع الإبقاء على الغلاف المالي البالغ 6.15 مليون درهم، وذلك لمواجهة التكاليف الإضافية الناجمة عن ارتفاع أسعار مواد البناء.
وأفاد مكتب الدراسات التقنية المشرف على المشروع بوجود صعوبات هندسية بالغة، شملت تشققات في الجدران، وتآكلا في حديد التسليح، واختلالات في العزل المائي، مما استدعى تقوية الأساسات وتجديد الشبكات على ثلاث مراحل.
ورغم إنجاز جانب كبير من هذه التدخلات خلال 2024، إلا أن الصفقة الجديدة المبرمة في 2026 تثير الغموض حول طبيعة الأشغال المتبقية وموعد التسليم النهائي.
وبالتوازي مع أزمة البناية، تبرز إشكالية الرصيد الوثائقي. فالمكتبة التي أهداها العلامة الراحل عبد الله كنون للمدينة (وافتتحت عام 1985)، تضم مخطوطات ومؤلفات نادرة ومراسلات تشكل مرجعا حيويا للباحثين.
ورغم وجود مساع سابقة لتوثيق هذا الرصيد، إلا أن حصيلة مشروع الرقمنة المتفق عليه في 2021 لا تزال غير واضحة، إلى جانب غياب المعطيات حول ظروف حفظ المقتنيات خلال سنوات الأشغال الثقيلة.
وفي هذا السياق، أعاد الباحث والخبير في مجال التراث والعمارة الإسلامية، أحمد الطلحي إثارة قضية الإغلاق، موجها نداء عبر منصاته لمثقفي طنجة والمغرب للمطالبة بإعادة فتح المكتبة.
وأعرب الطلحي عن استغرابه من استمرار إغلاق مؤسسة تشكل مقصدا حيويا للباحثين، مشيرا إلى أن “الأوراش تخضع عادة لآجال محددة”.
وذكّر بأن العلامة عبد الله كنون أوقف مكتبته في حياته لتكون لخدمة العلم، معتبرا أن “حرمان القراء من خدماتها يتعارض مع الغاية التي أرادها مؤسسها باعتبارها صدقة جارية ينبغي أن يستمر الانتفاع بها”.
ومع استمرار غلق الأبواب، تتجه الأنظار إلى الأطراف الموقعة على اتفاقية الشراكة والوكالة المكلفة بالتنفيذ، لتقديم حصيلة شفافة للمشروع، وتحديد مآل وعود التجهيز والرقمنة، ووضع جدول زمني ملزم يعيد الحياة إلى واحد من أبرز الصروح الثقافية في شمال المغرب.







