أعاد معرض ثقافي يحتضنه المتحف الوطني للحلي بقصبة الوداية في الرباط الاهتمام بمجموعات تاريخية من التطريز المغربي، ظلت محفوظة لعقود داخل متاحف فرنسية، من بينها 112 نموذجاً و29 قطعة مكتملة مرتبطة بمدرسة فاس، في مبادرة تسعى إلى توثيق التقنيات التقليدية وإبراز الاختلافات الفنية بين مدارس التطريز في تطوان وشفشاون وفاس ومدن مغربية أخرى.
ويقدم معرض «الطرز بالمغرب: الأمس واليوم»، الذي تنظمه المؤسسة الوطنية للمتاحف بالتعاون مع متحف أنغوليم الفرنسي، أعمالاً نسيجية تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، إلى جانب إبداعات معاصرة، ضمن مسار يستمر إلى غاية 31 يناير 2027.
وتستند التظاهرة إلى مجموعات تاريخية تضم قطعاً جمعها الباحث الفرنسي بروسبير ريكار، الذي عاش بين سنتي 1874 و1952، وتولى مسؤوليات مرتبطة بتدبير الفنون والصناعات التقليدية المغربية خلال فترة الحماية الفرنسية.
وتضم المجموعة المرتبطة بمدرسة فاس 112 نموذجاً للتطريز و29 قطعة مكتملة، بينها مفارش ووسائد ومناديل وأغطية، تكشف تنوع الغرز والزخارف والألوان التي ميزت الإنتاج النسائي التقليدي بالمدينة.
ويتيح المعرض الاطلاع على جانب من هذه المجموعات المحفوظة في متحف أنغوليم، إلى جانب قطع من مؤسسات مغربية ومجموعات خاصة، في إطار تعاون متحفي يعيد تقديم التراث المغربي داخل البلد الذي نشأ فيه.
وتبرز المعروضات الاختلافات بين مدارس التطريز المغربية، التي طورت عبر قرون تقنيات خاصة مرتبطة بالأقمشة والألوان والوظائف الاجتماعية للقطع المنسوجة.
وفي تطوان، تتميز تقاليد التطريز بالدقة في تنفيذ الزخارف النباتية والزهرية، مع الاعتماد على أقمشة الكتان والحرير وخيوط متعددة الألوان.
ومن أبرز التقنيات المرتبطة بالمدينة «التعجيرة»، التي تعتمد على إعداد الرسم فوق القماش قبل تنفيذ الزخارف الحريرية، و«التنشيفة»، وهي قطعة نسيجية تزيينية تتميز بكثافة الغرز وتفاصيلها.
أما شفشاون، فتحتفظ بتقاليد تأثرت بالموروث الأندلسي، خصوصاً من خلال الزخارف الهندسية والنجوم الثمانية والألوان الحمراء والخضراء والصفراء، التي تظهر في عدد من القطع التقليدية.
وفي فاس، اشتهرت مدرسة التطريز بتقنية «طرز الحساب»، التي تعتمد على عد خيوط النسيج لإنجاز الزخرفة مباشرة دون الحاجة إلى رسم مسبق، إلى جانب «طرز العلوج»، الذي يقوم على إعداد نموذج مرسوم قبل تنفيذ الغرز.
ويبرز هذا التنوع أيضاً في مدارس الرباط وسلا ومكناس وأزمور، حيث تختلف أساليب التطريز بين الزخارف النباتية والهندسية، واستعمال الغرز المتقاطعة والمجدولة، وتوظيف خيوط الحرير والقطن والمواد المعدنية.
وتحمل القطع المعروضة دلالات اجتماعية تتجاوز وظائفها الزخرفية، إذ ارتبط التطريز المغربي تاريخياً بتجهيز العرائس والملابس الاحتفالية والأفرشة المنزلية والمناسبات العائلية.
وساهمت النساء في نقل هذه التقنيات بين الأجيال، من خلال التعلم داخل البيوت والورشات التقليدية، ما جعل التطريز أحد أشكال التعبير الفني المرتبطة بالحياة الاجتماعية والهوية المحلية.
وفي محاولة لإحياء بعض التقنيات التي تراجع استعمالها، استعان منظمو المعرض بأعمال المصممة والباحثة في النسيج فاطمة لوفيك، التي درست قطعاً تاريخية محفوظة بفرنسا، وأعادت تنفيذ عدد من الغرز القديمة على أقمشة حديثة.
وتعاونت المصممة مع ورشتين مغربيتين لإنجاز أعمال تجمع بين تقنيات التطريز التقليدية والتصميم المعاصر، بعد بحث استمر سنوات في مجموعات المتاحف الفرنسية.
وشارك في إعداد المعرض مختصون في تاريخ الفن والإثنولوجيا والتصميم، بهدف تقديم قراءة تجمع بين الخصائص الفنية للقطع وسياقات إنتاجها واستعمالها.
وكان متحف أنغوليم قد احتضن المعرض لأول مرة سنة 2022، قبل انتقاله إلى معهد العالم العربي بمدينة توركوان الفرنسية سنة 2023، ليصل إلى المغرب في أكتوبر الجاري.
وتثير المجموعات التاريخية الموجودة في فرنسا اهتماماً بحثياً بشأن طرق جمع التراث الحرفي المغربي خلال فترة الحماية، وكيفية توثيق هذه القطع والمحافظة على تقنيات صناعتها.
وتمنح هذه المبادرة فرصة للباحثين والحرفيين والجمهور للاطلاع على نماذج من التطريز المغربي القديم، وإعادة دراسة مدارس محلية ساهمت في تشكيل التراث النسيجي للمملكة، خصوصاً في مدن الشمال التي احتفظت بتقاليد مرتبطة بالتأثيرات الأندلسية والمتوسطية.







