أصبحت التجربة المغربية في صناعة السيارات، ولا سيما المنظومة الصناعية واللوجستية التي تطورت حول مصنع رونو بمدينة طنجة، مرجعاً للمقارنة داخل المجموعة الفرنسية نفسها، بعدما أبرز مسؤول بارز بشركة داسيا في رومانيا الفوارق في تكاليف الإنتاج والبنيات التحتية بين البلدين، في وقت يواجه فيه مستقبل تصنيع بعض الطرازات بمصنع ميوفيني الروماني حالة من عدم اليقين.
وفي هذا السياق، اعتبر ميهاي بورديانو، رئيس شركة داسيا برومانيا، أن المغرب استطاع توفير ظروف صناعية تمنح مصانع مجموعة رونو قدرة أكبر على المنافسة، مستفيداً من الاستثمارات العمومية في شبكات النقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب تكاليف الطاقة التي تظل، بحسب تصريحاته، أقل بكثير من نظيرتها في رومانيا.
وأوضح المسؤول الروماني، في مقابلة مع صحيفة «إكونيميديا» على هامش معرض باريس الدولي للسيارات، المنظم من 12 إلى 18 أكتوبر الجاري، أن الدعم الذي استفادت منه المنشآت الصناعية التابعة للمجموعة بالمغرب أحدث فارقاً واضحاً على مستوى شروط الإنتاج والتصدير، مشيراً إلى أن الربط المباشر بين المصانع وشبكات الطرق السريعة ومنشآت الشحن البحري يشكل أحد أبرز عناصر هذه الأفضلية.
وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة بالنسبة إلى مدينة طنجة، التي تحتضن أحد أبرز المجمعات الصناعية التابعة لمجموعة رونو خارج أوروبا، ويرتبط نشاطه بمنظومة لوجستية تشمل ميناء طنجة المتوسط وشبكة من الطرق والسكك الحديدية، فضلاً عن نسيج من المقاولات المتخصصة في تصنيع مكونات السيارات وتجهيزاتها.
ويتيح هذا التكامل الصناعي واللوجستي تقليص مراحل نقل السيارات والمكونات بين وحدات الإنتاج ومرافق التصدير، بما يعزز موقع المنطقة الصناعية لطنجة ضمن شبكة الإنتاج الدولية للمجموعة الفرنسية، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة بين مواقع التصنيع لاستقطاب الاستثمارات والطرازات الجديدة.
ولفت بورديانو إلى أن أسعار الطاقة بالمغرب تقل، وفق المقارنة التي قدمها، عن نصف المستويات المسجلة في رومانيا، معتبراً أن هذه الفوارق لا تؤثر في المصانع الكبرى وحدها، وإنما تمتد إلى الشركات الموردة للقطع والمكونات، التي تنعكس تكاليف تشغيلها بصورة مباشرة على السعر النهائي للسيارات.
وتأتي هذه الإشادة بالنموذج المغربي في وقت تسعى فيه إدارة داسيا إلى مراجعة شروط استمرار إنتاج الأجيال المقبلة من طرازي «دوستر» و«بيجستر» بمصنع ميوفيني، حيث ربط المسؤول الروماني القرارات الصناعية المرتقبة بمدى نجاح المفاوضات مع السلطات العمومية والموردين بشأن خفض تكاليف الإنتاج وتحسين مناخ الاستثمار.
وأكد أن بقاء الطرازين ضمن خطوط الإنتاج الرومانية ليس مضموناً بصورة نهائية، موضحاً أن الشركة لم تحسم بعد خياراتها المستقبلية، وأن تحديد وجهة الاستثمارات المقبلة سيعتمد على الالتزامات والإجراءات التي يمكن الاتفاق بشأنها مع الحكومة الرومانية.
وفي معرض تشخيصه للصعوبات التي تواجه الصناعة المحلية، دعا بورديانو إلى تسريع إنجاز الطرق السيارة وتطوير شبكة السكك الحديدية والرفع من كفاءة البنيات المينائية بمدينة كونستانتسا، باعتبارها منفذاً رئيسياً لتصدير السيارات الرومانية نحو الأسواق الخارجية.
كما شدد على ضرورة إيجاد حلول لارتفاع أسعار الكهرباء والغاز، إلى جانب مراجعة بعض مقتضيات تشريعات الشغل بما يسمح للمصانع بالتكيف مع تقلبات الطلب والإنتاج، مقترحاً الاستفادة من آليات مرنة للعمل الجزئي المعتمدة في عدد من البلدان الأوروبية.
وتبرز أهمية هذه المطالب بالنظر إلى مستوى النشاط الذي بلغه مصنع ميوفيني، بعدما وصل إنتاجه السنوي إلى نحو 349 ألف سيارة، مقترباً بذلك من طاقته النظرية المقدرة بحوالي 350 ألف وحدة، وهو ما يجعل تحسين التنافسية مرتبطاً، في جانب منه، بتكاليف التشغيل والظروف المحيطة بالنشاط الصناعي أكثر من ارتباطه بإمكانية زيادة الإنتاج داخل المنشأة الحالية.
ويرى رئيس داسيا برومانيا أن المحافظة على الحضور الصناعي للعلامة التجارية لا يمكن أن تستند إلى ارتباط المستهلكين الرومانيين التاريخي بها، بل تتطلب توفير سيارات قادرة على المنافسة من حيث الأسعار والجودة، في سوق دولية تتزايد فيها الضغوط على المصنعين.
وتعيد هذه التصريحات تسليط الضوء على المكانة التي باتت تحتلها طنجة ضمن صناعة السيارات بالمغرب، بعدما ساهم تمركز مصنع رونو بالقرب من ميناء طنجة المتوسط في استقطاب أنشطة صناعية مرتبطة بالتجهيز والتوريد والخدمات، وتطوير منظومة إنتاج موجهة بدرجة كبيرة نحو الأسواق الخارجية.
كما تعكس المقارنة التي قدمها المسؤول الروماني تحول البنية التحتية وتكاليف الطاقة وسلاسل التوريد إلى عوامل حاسمة في توزيع الاستثمارات داخل المجموعات الصناعية الدولية، في ظل سعي شركات السيارات إلى تقليص النفقات والمحافظة على تنافسية منتجاتها.
ورغم أن إدارة داسيا لم تعلن أي قرار بشأن نقل إنتاج الطرازات المستقبلية من رومانيا إلى بلد آخر، فإن استحضار التجربة المغربية في النقاش الدائر حول مستقبل مصنع ميوفيني يعكس الوزن المتنامي للمملكة، وخاصة القطب الصناعي بطنجة، في حسابات التنافسية التي تحكم صناعة السيارات على الصعيد الدولي.







