أعاد نقاش إعلامي وسياسي في إسبانيا طرح سؤال حساس بشأن مدى دعم حلف شمال الأطلسي لمدريد في حال اندلاع نزاع محتمل مع المغرب، خصوصا إذا تعلق الأمر بسبتة ومليلية المحتلتين.
ورغم أن سيناريو الحرب بين البلدين يبقى مستبعدا، فإن الجدل يتركز على طبيعة التزامات الحلف الأطلسي، وعلى ما إذا كانت المدينتان المغربيتان المحتلتان مشمولتين تلقائيا بالحماية الجماعية التي يقرها ميثاقه.
وينص الفصل الخامس من معاهدة واشنطن على مبدأ الدفاع المشترك عند تعرض دولة عضو لهجوم، لكنه لا يفرض شكلا واحدا للمساعدة، إذ يترك لكل حليف تحديد الإجراء الذي يراه ضروريا، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة أو الاكتفاء بأشكال دعم أخرى.
أما الفصل السادس، فيحدد المجال الترابي الذي تسري عليه هذه الحماية، وهو ما يفتح الثغرة الأساسية في الحالة الإسبانية، لكونه يحصر نطاقها في أراضي الدول الأعضاء بأوروبا وأميركا الشمالية، والجزر الواقعة شمال مدار السرطان، وأراضي تركيا، من دون أن يدرج سبتة ومليلية ضمن هذا المجال.
وبحسب هذا التأويل، فإن أي هجوم يمس شبه الجزيرة الإيبيرية أو جزر البليار أو الكناري يدخل في نطاق المادة الخامسة، من دون أن يعني ذلك تلقائيا تدخلا عسكريا متماثلا من جميع الحلفاء.
أما في حالة سبتة ومليلية المحتلتين، فلا يوجد سند نصي يضمن تفعيل الحماية الجماعية بصورة آلية، وهو ما يجعل أي دعم رهينا بقرار سياسي داخل مجلس شمال الأطلسي وبحسابات كل دولة عضو.
وتقر دراسة منشورة ضمن إصدارات وزارة الدفاع الإسبانية بأن المدينتين لا تغطيهما المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن الحلف قد يقدم دعما لإسبانيا في نزاع يخصهما، لكن عبر ترتيبات سياسية وتقديرات استراتيجية لا عبر التزام تعاقدي مباشر ومسبق.
وتلفت الدراسة نفسها إلى أن أشكال المساندة قد تتدرج من الدعم السياسي واللوجستي إلى المساعدة العسكرية المباشرة، مع التشديد على أن هذه المساندات تحتاج دائما إلى تفاوض بين الحلفاء.
ويستند الجدل الإسباني المتجدد إلى هذه المنطقة الرمادية بالتحديد. فقد أعادت صحيفة “لا راثون” طرح السؤال، الاثنين، معتبرة أن مدريد قد لا تحصل، في سيناريو كهذا، على دعم كامل وفوري، وأن التدخل الحليف قد يبقى مرتبطا بطبيعة المجال الذي يمسه التصعيد وبالقراءة السياسية لكل عاصمة غربية للحظة النزاع.
ولا يعني ذلك أن إسبانيا ستكون معزولة بالكامل. فحتى خارج نطاق المادة الخامسة، قد ترى عواصم أطلسية أن أي توتر حاد في غرب المتوسط يلامس مصالحها الأمنية المباشرة، سواء بسبب أهمية مضيق جبل طارق أو بالنظر إلى امتدادات الاستقرار في الساحل وشمال إفريقيا.
وتبرز الولايات المتحدة كفاعل أساسي في أي حساب من هذا النوع، بحكم أهمية مضيق جبل طارق بالنسبة لانتشارها البحري، وبالنظر إلى دور قاعدتي روتا ومورون في عملياتها العسكرية بالمتوسط وإفريقيا. كما تملك فرنسا والبرتغال وإيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة مصالح أمنية مباشرة في استقرار المجال المتوسطي الغربي، وإن بدرجات وحسابات مختلفة. وتذهب القراءة الإسبانية المنشورة إلى أن هذا المعطى قد يفتح الباب أمام دعم دبلوماسي أو استخباراتي أو لوجستي، من دون أن يضمن بالضرورة إرسال قوات أو الانخراط في مواجهة مباشرة.
لكن وزن المصالح لا يعمل في اتجاه واحد. فالعلاقات التي تربط عددا من الدول الغربية بالرباط، في ملفات الهجرة والطاقة والأمن الإقليمي والتعاون الاستخباراتي، تجعل مواقفها محكومة باعتبارات سياسية أوسع من النصوص القانونية وحدها، خصوصا إذا تعلق الأمر بمدينتين لا يشملهما الالتزام الأطلسي بصورة صريحة.
ويذهب عالم السياسة الإسباني سانتياغو أرميسيّا، الذي استندت إليه الصحيفة، إلى أن إسبانيا قد لا تجد في مثل هذا السيناريو دعما كاملا وفوريا، مستحضرا ما يصفه بتاريخ من العزلة أو ضعف الإسناد الخارجي في محطات كبرى من تاريخها.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن مدريد قد تتلقى مساندة، لكن ليس بالضرورة من الجهات التي تفترضها مسبقا، ولا بالصيغة التي تتصورها داخل حساباتها الدفاعية.
ولا يعكس هذا النقاش مؤشرات حرب وشيكة بين المغرب وإسبانيا، بقدر ما يكشف حساسية ملف سبتة ومليلية داخل العقيدة الأمنية الإسبانية، وحدود الاعتماد على المظلة الأطلسية في الملفات التي لا تحسمها النصوص لصالح مدريد بوضوح.
وفي المحصلة، تبدو الفرضية الإسبانية قائمة على معادلة أكثر هشاشة مما توحي به عضوية الحلف: مدريد لن تكون معزولة بالضرورة إذا اندلع توتر كبير مع المغرب، لكنها لن تحصل أيضا على دعم تلقائي ومكتمل لمجرد أن الأزمة تمس المدينتين المغربيتين المحتلتين في شمال إفريقيا.







