تحولت أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، نهاية يوليوز الماضي، إلى إحدى أبرز القضايا المطروحة في المواجهة الانتخابية بين رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز وزعيم الحزب الشعبي المعارض ألبرتو نونييز فييخو، مع انطلاق الحملة الانتخابية، اليوم السبت، استعدادا للاستحقاقات التشريعية المبكرة المقررة في 29 نونبر المقبل.
وبات تدبير الأزمة التي شهدت دخول أكثر من 70 ألف مهاجر إلى المدينة يومي 30 و31 يوليوز، قبل عودة الغالبية العظمى منهم إلى المغرب، يشكل إحدى الأوراق السياسية التي يعول عليها المحافظون في انتقاد حصيلة الحكومة الاشتراكية، في ظل استمرار تداعيات هذه الأحداث على النقاش العمومي الإسباني.
وفي هذا السياق، اختار فييخو إعادة ملف سبتة إلى واجهة النقاش السياسي، مستندا إلى زيارته للمدينة الأربعاء الماضي، التي تعهد خلالها بإعادة الأوضاع إلى طبيعتها في حال تمكن حزبه من الوصول إلى السلطة، في إشارة إلى ما يعتبره إخفاقا حكوميا في تدبير ملف الهجرة والحدود.
وكان زعيم الحزب الشعبي قد وجه انتقادات حادة إلى حكومة سانشيز على خلفية هذه الأزمة، معتبرا أن الأحداث التي عرفتها سبتة تعكس، بحسب تعبيره، مظاهر التدهور والفساد وغياب المصداقية في تدبير الشأن العام، وداعيا إلى إحداث تغيير سياسي شامل في البلاد.
ويرتقب أن يحتل هذا الملف موقعا متقدما في الخطاب الانتخابي للحزب الشعبي خلال الأسابيع المقبلة، خصوصا في ظل سعي فييخو إلى استثمار القضايا المرتبطة بالهجرة والأمن وتدبير الحدود لاستقطاب الناخبين، وتقديم حزبه باعتباره بديلا قادرا على معالجة الاختلالات التي يتهم الحكومة الحالية بالمسؤولية عنها.
ويكتسي حضور سبتة في الحملة الانتخابية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الأزمة التي شهدتها المدينة، وما خلفته من نقاشات بشأن قدرة السلطات الإسبانية على التعامل مع تدفقات الهجرة غير النظامية، فضلا عن انعكاساتها السياسية والاجتماعية التي تجاوزت النطاق المحلي لتصبح موضوعا للتجاذب بين أبرز القوى الحزبية في البلاد.
وفي مدريد، أطلق فييخو أولى تجمعاته الانتخابية، السبت، وسط أنصاره، في محاولة لتعزيز حظوظ الحزب الشعبي في العودة إلى الحكم، بعد إخفاق زعيمه في تشكيل أغلبية برلمانية تسمح له بتولي رئاسة الحكومة عقب انتخابات سنة 2023.
وتزامن انطلاق حملة المحافظين مع تحركات انتخابية لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز، الذي اختار منطقة دوس هيرماناس بضواحي إشبيلية، جنوب إسبانيا، لبدء حملته، في خطوة تحمل دلالات سياسية بالنظر إلى ارتباط المنطقة بمحطات بارزة في مساره داخل الحزب الاشتراكي.
وكان سانشيز قد انطلق من المنطقة نفسها خلال حملته الانتخابية سنة 2023، التي تمكن في أعقابها من الاحتفاظ برئاسة الحكومة رغم تقدم منافسيه في التوقعات، كما شكلت إحدى المحطات الأساسية في عودته إلى قيادة الحزب الاشتراكي بعد استقالته من رئاسته سنة 2016.
وبخلاف المعارضة المحافظة التي تركز على قضايا الهجرة وتدبير الشأن العام، يسعى رئيس الحكومة إلى جعل الملفات الاجتماعية محور حملته، وفي مقدمتها أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وحماية المستأجرين من المضاربات العقارية.
وتأتي هذه التحركات في ظل تداعيات قضية ماريكارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 سنة، التي أثار إجبارها على مغادرة مسكنها في مدريد، بعد ارتفاع قيمة الإيجار بأكثر من خمسة أضعاف، موجة واسعة من الاحتجاجات خلال الأسابيع الماضية.
وازداد التوتر الاجتماعي عقب وفاة المسنة، الأربعاء الماضي، داخل المستشفى، بعدما أصبحت قضيتها رمزا للمطالب الداعية إلى مراجعة السياسات السكنية وتشديد الإجراءات القانونية لحماية الأسر من الإخلاء القسري.
وأمام أنصاره، تعهد سانشيز بالمضي في تعزيز الحماية القانونية للمستأجرين في حال حصول حزبه على الأغلبية البرلمانية، مشيدا بالتحركات الاجتماعية التي أعقبت قضية أباسكال، ومؤكدا عزمه على مواجهة المضاربة في سوق العقارات.
وكان رفض البرلمان الإسباني مشروعَي قانون قدمتهما الحكومة لمعالجة أزمة السكن قد ساهم في تعميق الخلافات السياسية، ودفع سانشيز إلى الإعلان عن تنظيم انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، في محاولة للحصول على تفويض انتخابي جديد يسمح له بمواصلة تنفيذ برنامجه الحكومي.
وفي موازاة ذلك، لا تزال الاحتجاجات المرتبطة بأزمة السكن متواصلة في عدد من المدن الإسبانية، حيث أقام ناشطون مخيمات احتجاجية، من بينها مخيمات وسط العاصمة مدريد، للمطالبة بضمان الحق في السكن ووضع حد للارتفاع المتواصل في أسعار الإيجار.
كما أعلنت النقابات العمالية الرئيسية عزمها خوض إضراب عام يوم 11 نونبر المقبل، في خطوة تعد الأولى من نوعها منذ سنة 2012، ما ينذر بمزيد من الضغوط الاجتماعية على الحكومة خلال الفترة الفاصلة عن موعد الاقتراع.
وتشير المعطيات الانتخابية إلى أن نحو 39 مليون ناخب إسباني مدعوون للمشاركة في الاستحقاقات المقبلة، وسط منافسة مفتوحة بين الحزب الاشتراكي العمالي والحزب الشعبي، في وقت تمنح فيه استطلاعات الرأي تقدما للمحافظين دون بلوغ الأغلبية المطلقة.
وقد يفتح هذا الوضع المجال أمام حزب فوكس اليميني المتطرف، الذي يحتل المرتبة الثالثة في المشهد الحزبي الإسباني، للاضطلاع بدور حاسم في تشكيل الأغلبية البرلمانية المقبلة، خصوصا مع تسجيله تقدما في استطلاعات نوايا التصويت.
وبينما يراهن سانشيز على الدفاع عن حصيلته الاجتماعية واستعادة ثقة الناخبين من خلال التعهد بإصلاحات جديدة، يسعى فييخو إلى توظيف الأزمات التي شهدتها البلاد، وفي مقدمتها أحداث سبتة، لتعزيز موقع المعارضة وإقناع الناخبين بضرورة التغيير.
وهكذا، تتجه إسبانيا نحو انتخابات مبكرة تتداخل فيها تداعيات أزمة الهجرة مع الاحتجاجات الاجتماعية والرهانات الاقتصادية، وسط ترقب لما ستفرزه صناديق الاقتراع من توازنات سياسية قد تحدد مستقبل الحكومة الإسبانية وتوجهاتها في تدبير ملفات الهجرة والحدود خلال المرحلة المقبلة.







