اختارت الدورة الصيفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي السابع والأربعين أن تعود إلى أحد العناصر المؤسسة لصورتها: الجدارية. فعلى امتداد نحو نصف قرن، لم تعد الرسوم التي تغطي جدران المدينة البيضاء مجرد أثر فني موسمي، بل تحولت إلى علامة بصرية تميز أصيلة داخل الخريطة الثقافية المغربية والعربية والإفريقية.
الدورة، المنظمة تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس بمبادرة من مؤسسة منتدى أصيلة بين 28 يونيو و5 يوليوز، خصصت حيزا واسعا للفنون التشكيلية، من خلال مشغل صباغة الجداريات، ومعرض جماعي لفنانين من المدينة، وندوة فنية حول أثر الجداريات في تشكيل الهوية الثقافية للمدينة الأطلسية.

وقال الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، حاتم البطيوي، في افتتاح ندوة “جداريات أصيلة: نحو هوية بصرية للمدينة”، إن الحديث عن أصيلة يصعب فصله عن جدارياتها، بعدما تجاوزت هذه التجربة حدود الزينة أو التدخل العابر في النسيج العمراني، لتصبح جزءا من المشروع الحضاري للمدينة.
وأضاف أن الجدارية في أصيلة نقلت الإبداع من القاعات المغلقة إلى الشارع، وجعلت الفن متاحا للعموم، ضمن علاقة جديدة بين الفنان والفضاء العام، حيث لم تعد المدينة مجرد إطار يحتضن الأعمال الفنية، بل أصبحت موضوعا وشريكا في إنتاجها.
وتكتسب هذه القراءة وزنها من تاريخ موسم أصيلة نفسه، الذي انطلق سنة 1978 بمبادرة من محمد بن عيسى ومحمد المليحي، في تجربة ربطت منذ بدايتها بين العمل الثقافي، وتأهيل المجال الحضري، وفتح المدينة الصغيرة على فنانين ومثقفين من المغرب والعالم.
ذاكرة مفتوحة على الجدران
منذ دوراته الأولى، جعل موسم أصيلة من الجدار وسيطا بين الفن والمدينة. فالجداريات لم تكن عملا معزولا عن سكان المدينة، بل صارت مع مرور الوقت جزءا من ذاكرة يومية يراها الأطفال في الأزقة، ويعيد الزوار اكتشافها كل صيف، ويتعامل معها الفنانون كمساحة حوار مفتوحة.
ويرى الباحث شرف الدين ماجدولين أن الجداريات جاءت ضمن مشاغل فنية متعددة شملت الحفر والليتوغرافيا والصباغة والنحت، لكنها ظلت الأكثر قدرة على وسم تاريخ الفن في المغرب بعلاقته مع الفضاء العام. واعتبر أن خروج العمل الفني من المتحف والرواق إلى الشارع شكل لحظة مفصلية في تجربة أصيلة.

هذه الفكرة حضرت أيضا في شهادات فنانين ارتبطت أسماؤهم بالموسم. فعبد الكريم الوزاني رأى في الجداريات مدرسة لتربية أطفال أصيلة على حب الجمال، بينما اعتبر محمد المرابطي أن الجدارية تمنح المشاهد فرصة محاورة العمل الفني خارج شروط الرواق التقليدي.
أما الفنان بوعبيد بوزيد فاختصر علاقة المبدعين بالمدينة بالقول إنهم يأتون إلى أصيلة “لارتشاف رحيق الجمال”، فيما شدد الفنان السوري خالد الساعي على أن التراكم الزمني للجداريات خلق ذائقة جمالية ووعيا بصريا داخل المدينة.
وبهذا المعنى، لا تبدو جداريات أصيلة مجرد ذاكرة فنية، بل تجربة في التربية البصرية. فالمدينة التي تحتضن الأعمال الجدارية كل عام تحولت إلى فضاء عام يتقاسم فيه السكان والزوار معنى اللون، وحق النظر، وقيمة الجمال في الحياة اليومية.
صناعة ثقافية لا حدث عابر
اعتبرت الباحثة شروق المليحي أن أصيلة انخرطت عبر موسمها في ما وصفته بـ”الصناعة الثقافية الثقيلة”، معتبرة أن الجداريات ليست تجربة فنية فحسب، بل مشروع ثقافي منظم، وفعل جماعي مؤطر، أعاد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان.
وتكشف هذه القراءة جانبا من خصوصية موسم أصيلة. فهو لا يراهن فقط على برمجة ثقافية صيفية، بل على تراكم طويل جعل الثقافة أداة لتسويق المدينة، وترميم صورتها، وبناء ذاكرة جماعية حولها. لذلك تبدو الجدارية، في الحالة الزيلاشية، أقرب إلى سياسة ثقافية محلية منها إلى ممارسة تشكيلية منفصلة.

وفي ختام هذا المسار الصيفي، افتتح برواق “محمد بن عيسى للفنون الجميلة” بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية معرض جماعي بعنوان “أصيلة في ظل ألوانها”، يضم أعمالا لفنانات وفنانين من المدينة، ويتواصل إلى غاية 31 غشت.
ويتيح المعرض، الذي يجمع لوحات تجريدية وانطباعية لأزيد من عشرين فنانا زيلاشيا، قراءة أثر الموسم في تكوين حساسيات محلية خرج بعضها من مشاغل أصيلة نفسها. فبعد عقود من حضور أسماء عربية ودولية، يعود الموسم في دورته الصيفية إلى أبنائه، لا بوصفهم امتدادا هامشيا للتجربة، بل كجزء من حصيلتها الحية.
هكذا، تختتم أصيلة دورتها الصيفية بسؤال يتجاوز المعرض والندوة: كيف يمكن لمدينة صغيرة على الأطلسي أن تصنع لنفسها هوية بصرية قابلة للاستمرار؟ جواب الموسم جاء من الجدران نفسها؛ من لون يتجدد، وذاكرة لا تزال مفتوحة، وتجربة جعلت الفن جزءا من تعريف المدينة لنفسها.







