تعيد إسبانيا تثبيت حضورها العسكري في عدد من الجزر والصخور الواقعة بمحاذاة الساحل المغربي، عبر سلسلة أشغال وتجهيزات جديدة تشمل صخرة الحسيمة وباديس وجزر شفارين، في خطوة تأتي بينما أعادت الرباط إلى الواجهة مطلب استعادة الأراضي التي لا تزال تحت السيطرة الإسبانية في شمال المملكة.
وكشفت صحيفة “فوثبوبولي” الثلاثاء أن وزارة الدفاع الإسبانية كثفت خلال السنوات الأخيرة مشاريع إصلاح وتجديد المنشآت العسكرية في المواقع الثلاثة، بعد فترة طويلة ظلت خلالها الاستثمارات محدودة، فيما أطلقت صفقة جديدة تضمن استمرار الأشغال خلال الأشهر المقبلة.
ولا تقع هذه المنشآت في عمق الأراضي الإسبانية، بل فوق مواقع صغيرة شديدة القرب من الساحل المغربي. فباديس متصلة باليابسة المغربية بلسان رملي، فيما تقع صخرة الحسيمة قبالة المدينة التي تحمل الاسم نفسه، وتنتشر جزر شفارين قبالة الساحل الشرقي للمملكة.
وتطالب الرباط باستعادة هذه المواقع التي تسيطر عليها إسبانيا إلى جانب سبتة ومليلية، بينما تدرجها مدريد ضمن ما تسميه “مناطق السيادة”، وهو توصيف لا يعترف به المغرب في مطالبته التاريخية بالأراضي الخاضعة للسيطرة الإسبانية في شمال البلاد. وتقر الصحيفة الإسبانية نفسها بأن المواقع التي تستهدفها الأشغال الجديدة تطالب بها المملكة المغربية.
وبحسب “فوثبوبولي”، طرحت مناقصة لتوفير وتشغيل مولدات كهربائية تخدم الأشغال في صخرة الحسيمة وباديس وجزر شفارين.
ونشرت المناقصة في 15 غشت وحدد 11 شتنبر آخر أجل لتقديم العروض، فيما تمتد مدة تنفيذ الصفقة 12 شهرا. ويواصل الجيش الإسباني الاحتفاظ بوحدات صغيرة تتناوب على المواقع الثلاثة لضمان وجود عسكري دائم فيها.
ولا تبدأ التحركات الإسبانية بالمناقصة الجديدة. فقد شملت الأشغال خلال السنوات الماضية إصلاح المباني المتضررة بفعل الرطوبة والتعرية والرياح، وتحسين ظروف إقامة الجنود والتزود بالمياه، إلى جانب تحديث وسائل الاتصال العسكرية.
كما نفذت وزارة الدفاع مشاريع للاتصال عبر الأقمار الاصطناعية وتركيب تجهيزات جديدة، فيما اضطرت إلى هدم برج الساعة في صخرة الحسيمة بعدما تدهورت بنيته بفعل الرطوبة والظروف البحرية وأصبح يمثل خطرا على السلامة.
وتأتي عودة الاستثمار العسكري في هذه المواقع في ظرف أعاد فيه المغرب ملف الأراضي التي تسيطر عليها إسبانيا إلى النقاش السياسي، بعد سنوات طغى خلالها التعاون الأمني والاقتصادي على القضايا الخلافية بين الرباط ومدريد.
وقال وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي الأسبوع الماضي إن بلاده تثير وضع سبتة ومليلية في محادثاتها مع إسبانيا، وإنها تراهن على الوصول إلى حل على المدى الطويل عن طريق الحوار، في أول طرح علني للملف من مسؤول مغربي منذ أزمة الهجرة الكبيرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز.
وتعتبر الرباط سبتة ومليلية مدينتين محتلتين وتطالب باستعادتهما، بينما سارعت مدريد إلى رفض أي نقاش حول السيادة، وقالت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس خلال زيارة إلى سبتة إن المدينتين لا تمسان، فيما أكدت الخارجية الإسبانية أن موقفها بشأنهما غير مطروح للتفاوض.
وجاء الرد الإسباني فيما كانت السلطات المغربية تنشر قوات إضافية في محيط سبتة ومليلية لإحباط دعوات جديدة للهجرة غير النظامية، وهو تحرك أسفر عن توقيف مئات المرشحين للعبور وأبقى الضغط بعيدا عن المدينتين، في استمرار لدور أمني تعتمد عليه مدريد بصورة كبيرة في إدارة الهجرة على الضفة الجنوبية للمتوسط.
ومنذ المصالحة الدبلوماسية في أبريل 2022، دفعت الرباط ومدريد بعلاقاتهما نحو تعاون أوسع في التجارة والاستثمار والأمن والهجرة، بعد أزمة دبلوماسية حادة بدأت في 2021. وأقرت الحكومتان خارطة طريق جديدة جعلت الحوار والتنسيق أساسا لإدارة العلاقة الثنائية.
لكن التقارب لم ينه الخلاف حول الأراضي الخاضعة لإسبانيا في شمال المغرب. فالرباط لم تتخل عن مطالبها، فيما واصلت مدريد إدارة هذه المواقع عسكريا ومدنيا ورفضت فتح ملف السيادة عليها.
ويمنح هذا السياق الأشغال الجارية في صخرة الحسيمة وباديس وجزر شفارين دلالة تتجاوز صيانة بنايات متضررة. فإسبانيا تنفق من جديد على منشآت تضمن استمرار وجودها العسكري فوق أراض يطالب بها المغرب، في اللحظة نفسها التي تعيد فيها الرباط التأكيد علنا أن التقارب الاستراتيجي مع مدريد لم يغلق ملفات السيادة المؤجلة.







