رغم تراجع القناعة بأفضلية الرجال في تولي المسؤوليات السياسية داخل المجتمع المغربي، فإن ما يقارب نصف المغاربة ما زالوا يتبنون هذا التصور، وفق نتائج استطلاع للرأي كشف، في المقابل، عن انخفاض ملحوظ في التأييد الشعبي للتدابير الرامية إلى ضمان حضور أكبر للنساء داخل المؤسسات المنتخبة والحكومة.
وأفاد تقرير حديث لمؤسسة “الباروميتر العربي” بأن 47 في المائة من المغاربة يعتبرون الرجال أكثر أهلية لتولي القيادة السياسية، مقابل 57 في المائة خلال الفترة 2023-2024، ما يمثل تراجعاً بعشر نقاط مئوية في ظرف وجيز، ويعكس تغيراً تدريجياً في المواقف الاجتماعية تجاه مشاركة النساء في تدبير الشأن العام.
غير أن هذا التحول لم ينعكس بالقدر نفسه على المواقف من آليات تعزيز التمثيلية النسائية، إذ أظهرت نتائج الاستطلاع انخفاض نسبة المؤيدين لتخصيص حد أدنى من المقاعد البرلمانية للنساء من 71 إلى 51 في المائة، فيما تراجع دعم اعتماد حصص للنساء داخل الحكومة من 70 إلى 52 في المائة.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة لافتة، تتمثل في تراجع الاعتقاد بأفضلية الرجال في القيادة السياسية، بالتزامن مع تقلص التأييد للإجراءات التي تستهدف تسهيل وصول النساء إلى مواقع القرار، وهو ما يعكس تبايناً بين المواقف المعلنة بشأن المساواة والنظرة إلى الوسائل المعتمدة لتحقيقها.
وامتد التغير في التصورات الاجتماعية إلى العلاقات داخل الأسرة، بعدما انخفضت نسبة المستجوبين الذين يرون أن الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرارات العائلية ينبغي أن تكون للرجل إلى 44 في المائة، بتراجع بلغ 17 نقطة مئوية مقارنة بنتائج الاستطلاع السابق.
وفي المجال الاقتصادي، أظهرت المعطيات استقرار التأييد لمبدأ تكافؤ فرص العمل بين النساء والرجال عند 64 في المائة، في وقت ما تزال فيه مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي تواجه مجموعة من العراقيل المرتبطة بالظروف الاجتماعية ومتطلبات سوق الشغل.
وتصدر ضعف التقبل الاجتماعي لعمل النساء ونقص خدمات رعاية الأطفال قائمة العوائق التي حددها المشاركون، بنسبة 13 في المائة لكل منهما، تليهما صعوبة التوفيق بين ساعات العمل والالتزامات الأخرى، والتمييز في التوظيف، بنسبة 12 في المائة لكل عامل.
كما أشار 10 في المائة من المستجوبين إلى محدودية فرص الشغل، وهي النسبة نفسها التي ربطت صعوبات تشغيل النساء بنقص المهارات أو المؤهلات، مقابل 9 في المائة اعتبروا أن انخفاض الأجور يشكل عائقاً، ونسبة مماثلة أرجعت الأمر إلى ضعف الحماية القانونية.
وسجل التقرير تبايناً في ترتيب هذه العوامل بحسب الجنس، إذ أعطت النساء أهمية أكبر للمسؤوليات المرتبطة برعاية الأطفال وندرة فرص العمل، بينما ركز الرجال على إكراهات التوقيت المهني والمواقف الاجتماعية تجاه عمل المرأة.
وفي ما يتعلق بالعنف ضد النساء، اعتبر 42 في المائة من المشاركين أن الظاهرة حافظت على مستوياتها خلال السنة السابقة للاستطلاع، فيما رأى 31 في المائة أنها تراجعت، مقابل 16 في المائة قالوا إنها ازدادت انتشاراً، بارتفاع ثلاث نقاط مئوية مقارنة بالدراسة السابقة.
وأظهرت النتائج أن الروابط العائلية ما تزال تحتل موقعاً متقدماً ضمن الجهات التي يُنظر إليها باعتبارها ملاذاً للنساء عند التعرض للعنف، إذ اختار 48 في المائة من المستجوبين الأقارب الذكور، مقابل 38 في المائة للأقارب من النساء، بينما جاءت الشرطة بنسبة 35 في المائة، والمؤسسات الصحية بنسبة 14 في المائة، والمنظمات المحلية بنسبة 6 في المائة.
وفي السياق ذاته، اعتبر 71 في المائة من المشاركين أن التحرش بالنساء منتشر في الشوارع والأماكن العامة، مقابل 58 في المائة في أماكن العمل و36 في المائة داخل المنازل، وهي نسب تعكس استمرار حضور الظاهرة في تصورات المستجوبين، رغم تراجعها مقارنة بنتائج الاستطلاع السابق.
وبلغ هذا الانخفاض ثماني نقاط مئوية بالنسبة للتحرش في الفضاءات العامة، وسبع نقاط في أماكن العمل، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجعاً مماثلاً في الوقائع المسجلة، بالنظر إلى أن المؤشرات تقيس تقديرات المشاركين لمدى انتشار الظاهرة.
واعتمد التقرير، الصادر مطلع أكتوبر الجاري، على نتائج مقابلات مباشرة مع 1210 مواطنين ومواطنات من مختلف جهات المملكة، أجريت بين 23 غشت و6 شتنبر 2025، بهامش خطأ يقدر بثلاث نقاط مئوية.
وتعكس نتائج الاستطلاع، في مجملها، تحولات متفاوتة في مواقف المغاربة من قضايا المساواة بين الجنسين، حيث يتراجع التأييد لبعض التصورات التقليدية المتعلقة بالقيادة السياسية والسلطة داخل الأسرة، بينما تستمر التحفظات بشأن آليات التمثيلية النسائية، إلى جانب تحديات اجتماعية واقتصادية تحد من تكافؤ الفرص.







