تجد السياسات العمومية بمدينة طنجة نفسها أمام معادلة ديموغرافية وعقارية بالغة التعقيد، تفرض التحرك على واجهات متعددة لإعادة التوازن لمجال حضري يئن تحت وطأة ضغط سكني متصاعد.
فمع تجاوز ساكنة المدينة عتبة 1.3 مليون نسمة، وتسجيل معدل نمو سنوي يناهز 3.4 في المئة، تقلص الوعاء العقاري القابل للبناء داخل المدار الحضري بأكثر من 40 في المئة خلال السنوات العشر الأخيرة.
وقد خلق هذا الوضع حالة من “الاحتقان العقاري” حيث يواجه الطلب المتزايد عرضا منظما محدودا، مما استدعى تفعيل حزمة من التدابير الجبائية والتنظيمية لفك الاختناق.
جدلية الندرة والشغور السكني
وتبرز المعطيات الحديثة المنبثقة عن الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 مفارقة هيكلية تطبع السوق العقارية؛ ففي الوقت الذي تشكو فيه المدينة من ندرة العقار المتاح، تسجل مؤشرات الشغور مستويات قياسية.
وتشير آخر الأرقام الرسمية إلى أن عدد المساكن الحضرية الشاغرة بالمغرب بلغ حوالي 1,115,708 مسكنا (13.4 في المئة من المخزون الوطني)، وتستحوذ جهة طنجة-تطوان-الحسيمة على حصة وازنة تناهز 12.7 في المئة من هذا المجموع، أي ما يعادل 141,700 مسكن شاغر، في وقت تمثل فيه الشقق نحو 45 في المئة من العقارات غير المستغلة وطنيا.
وفي ظل غياب معطيات رقمية مفصلة تحصر عدد المساكن الشاغرة بمدينة طنجة وحدها، فإن الثقل الديموغرافي والعمراني للمدينة داخل الجهة يرجح تمركز جزء كبير من هذا المخزون غير المستغل داخل نسيجها.
وتضع هذه المعطيات صناع القرار أمام تناقض صارخ بين وجود أزمة عرض سكني من جهة، وتراكم مخزون عقاري جامد من جهة أخرى، وهو ما يقرأ كاختلال وظيفي في استجابة العرض للطلب الحقيقي، مما يوجه البوصلة نحو ضرورة تحريك هذا الرصيد المعطل بدلا من الاكتفاء بالبحث عن أوعية جديدة.
آليات التدخل: الجباية والتوسع المجالي
ولمواجهة هذا الوضع، تعتمد السلطات مقاربة ثلاثية الأبعاد تدمج بين الردع الجبائي، التخطيط الحضري، وتنظيم الامتداد القروي.
فعلى المستوى الجبائي، دخلت مقتضيات القانون 14.25 حيز التنفيذ لفرض رسوم على الأراضي الحضرية غير المبنية، بهدف دفع الملاك نحو الاستثمار أو البيع قبل حلول أجل الإقرارات في مارس 2026.
وتتدرج هذه الرسوم حسب مستوى التجهيز بين 20 درهما للمتر المربع في المناطق المجهزة، و12 درهما في المناطق متوسطة التجهيز، ودرهمين في المناطق ضعيفة التجهيز، مع استثناء الأراضي الحاصلة على رخص بناء سارية، كأداة ضغط لتحرير الأراضي المجمدة وسط المدينة.
وبالموازاة مع ذلك، تم تحرير وثائق تعميرية كانت عالقة، عبر دمج دراستين قطاعيتين ضمن تصميم التهيئة لمقاطعتي مغوغة والسواني؛ الأولى تغطي 65 هكتارا بمحيط محطة القطار فائق السرعة، والثانية تشمل 157 هكتارا بمنطقة “سانية-شرق”، مع استبعاد مناطق خطر الفيضانات، مما يفتح الباب لامتصاص جزء من الطلب داخل المدار الحضري.
وفي الشق المتعلق بالامتداد الخارجي، تم توجيه البوصلة نحو 17 جماعة قروية محيطة تضم 323 ألف نسمة موزعين على 132 دوارا، عبر تبسيط مساطر البناء والتحفيظ، وهو ما أحدث دينامية فورية تجلت في تضاعف أسعار الأراضي بهذه المناطق ما بين مرتين وثلاث مرات خلال خمس سنوات، مما يؤشر على تحولها إلى بدائل سكنية فعلية لامتصاص فائض الطلب الذي تعجز المدينة عن استيعابه.
وتبقى فعالية هذه الحزمة من الإجراءات، التي تسعى للمزاوجة بين تحريك العرض الداخلي وتوسيع المجال الحيوي للمدينة، رهينة بصدور المعطيات التفصيلية الدقيقة حول الخريطة الحضرية، لتقييم ما إذا كانت هذه الأدوات قادرة فعليا على ردم الهوة بين الطلب المتصاعد والمخزون العقاري غير المستغل.







