دخلت التحضيرات للانتخابات التشريعية المقبلة في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة مرحلة أكثر حدة، بعدما اختار حزب الأصالة والمعاصرة حسم جزء من لوائحه عبر استقطاب منتخبين قادمين من محيط التجمع الوطني للأحرار، في خطوة حولت التنافس داخل الأغلبية الحكومية إلى مواجهة ميدانية مبكرة على شبكات النفوذ المحلي.
وأظهر إعلان الحزب عن وكلاء لوائحه في دوائر الجهة أن البام لم يبن اختياراته فقط على بنيته التنظيمية التقليدية، بل انفتح على أسماء راكمت حضورها الانتخابي داخل المجال السياسي للأحرار أو بالقرب منه، مستفيدا من ارتدادات التزكيات ومن توترات محلية سبقت موعد الحملة الانتخابية.
وتمنح هذه الهندسة الجديدة للترشيحات بعدا سياسيا يتجاوز ترتيب الأسماء. فالحزب الذي يسعى إلى استعادة جزء من موقعه في الشمال، بعد تراجعات سجلها في محطات انتخابية سابقة، اختار المرور عبر ما يشبه “الاختراق العكسي” لقواعد حليفه الحكومي، محولا الغضب المحلي داخل الأحرار إلى فرصة لإعادة تركيب حضوره في دوائر حساسة.
وتبرز العرائش والفحص أنجرة وشفشاون كأهم واجهات هذا التحول. ففي العرائش، جاءت تزكية البرلمانية زينب السيمو باسم الأصالة والمعاصرة لتفتح مواجهة مباشرة مع الرصيد الانتخابي الذي راكمته داخل محيط التجمع الوطني للأحرار، في دائرة ظلت محكومة بتوازنات محلية دقيقة وبثقل أسماء عائلية وسياسية مؤثرة.
وفي الفحص أنجرة، دفع البام برئيس جماعة تغرامت، عبد السلام الشلاف، إلى واجهة السباق، في دائرة تحمل رمزية خاصة للحزب، بعدما شكلت خلال السنوات الأخيرة أحد عناوين تراجع نفوذه المحلي.
ويفتح هذا الترشيح مواجهة مباشرة مع الأحرار، لا حول مقعد انتخابي فقط، بل حول شبكات جماعية ومحلية ظلت تتحرك بين الحزبين بحسب حسابات التزكية والتموقع.
أما في شفشاون، فقد راهن الحزب على عبد الحفيظ المكوتي، رئيس جماعة باب برد، في دائرة جبلية لا تحسم فيها المنافسة فقط بوزن الجهاز الحزبي المركزي، بل بقوة القرب الجماعي والامتداد المحلي والقدرة على تحريك الكتلة الانتخابية في المجال القروي.
لائحة برسالة سياسية
وتقول مصادر حزبية إن قيادة الأصالة والمعاصرة أرادت من إعلان لوائح الشمال توجيه رسالة تنظيمية داخلية مفادها أن الحزب تجاوز مرحلة التردد، وشرع في بناء عرض انتخابي قادر على منافسة الأحرار في دوائر كان الأخير يراهن على تثبيت نفوذه داخلها.
غير أن الرسالة الأوضح تتوجه إلى التجمع الوطني للأحرار نفسه. فالأسماء التي التقطها البام من محيطه الانتخابي تمنح الانطباع بأن التزكيات لم تعد مجرد شأن داخلي داخل الحزب القائد للحكومة، بل صارت مجالا مفتوحا تتحرك فيه أحزاب الأغلبية لاصطياد المنتخبين الغاضبين أو المستبعدين أو الباحثين عن تموقع جديد.
ويضع هذا التحول الأحرار في موقف دفاعي مبكر داخل جهة كان الحزب قد منحها أهمية خاصة بعد انتخابات 2021، سواء من خلال حضوره الحكومي أو من خلال امتداده داخل عدد من الجماعات والمجالس المنتخبة. فكل اسم ينتقل إلى البام لا يسحب معه حضوره الشخصي فقط، بل قد ينقل معه جزءا من العلاقات المحلية التي تشكل القاعدة الصلبة لأي معركة انتخابية في الشمال.
وتختلف هذه الانتقالات عن مجرد تبديل عادي للانتماء الحزبي. فهي تهم منتخبين يملكون مواقع جماعية أو برلمانية، ويشتغلون داخل دوائر لا تتحكم فيها البرامج الوطنية وحدها، بل أيضا المصالح المحلية والوساطات الترابية والقدرة على تعبئة القرب.
وتأتي هذه التطورات في لحظة يسعى فيها البام إلى ترميم صورته الانتخابية في جهة ظلت تاريخيا ضمن مجالات نفوذه، قبل أن تتغير خريطتها بعد صعود الأحرار وتوسع حضورهم داخل المؤسسات المنتخبة.
ومن خلال أسماء قادمة من محيط منافسه الحكومي، يحاول الحزب الظهور كقوة قادرة على جذب المنتخبين لا مجرد الدفاع عن ما تبقى من قواعده التقليدية.
حرب استقطاب داخل الأغلبية
وتكشف معركة اللوائح في الشمال عن مفارقة سياسية واضحة. فالأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار يوجدان داخل الأغلبية الحكومية نفسها، لكنهما يخوضان محليا سباقا مفتوحا على المنتخبين، ورؤساء الجماعات، وخزانات التصويت، ومفاتيح التأثير الترابي.
ولا يتعلق الأمر بتنافس انتخابي كلاسيكي بين أغلبية ومعارضة، بل بصراع داخل البيت الحكومي حول من يمتلك القدرة الأكبر على تفكيك شبكات الخصم القريب وإعادة تركيبها تحت لون حزبي جديد. ولهذا تبدو دوائر مثل الفحص أنجرة والعرائش وشفشاون مختبرا مبكرا لما قد تعرفه الانتخابات المقبلة من مواجهات داخلية بين حلفاء الحكومة قبل خصومها.
في المقابل، يحاول الأحرار تقديم عملية حسم لوائحه باعتبارها جزءا من تجديد العرض الانتخابي، ومنح التزكيات لأسماء قادرة على الدفاع عن حصيلة الحزب ومواكبة رهانات المرحلة المقبلة. غير أن انتقال وجوه من محيطه نحو البام يمنح خصومه مادة سياسية لتصوير الأمر كارتدادات تنظيمية لم يتم احتواؤها في الوقت المناسب.
أما البام، فقد اختار أن يجعل من لائحة الشمال أداة ضغط قبل أن تكون مجرد إعلان ترشيحات. فالحزب لا يعلن فقط أسماء مرشحيه، بل يكشف عن طريقة اشتغال جديدة تقوم على استثمار التصدعات المحلية لمنافسه الأول داخل الأغلبية، وتحويلها إلى مكاسب انتخابية قابلة للاختبار في صناديق الاقتراع.
وتمنح طبيعة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أهمية إضافية لهذا التحرك، إذ تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع ثقل الجماعات الترابية، وحضور المشاريع الكبرى، والروابط المحلية، وشبكات الوساطة. لذلك فإن أي انتقال انتخابي داخلها لا يقرأ كقرار فردي فقط، بل كإشارة إلى إعادة توزيع محتملة لمراكز التأثير.
وبينما ما تزال الحملة الانتخابية الرسمية بعيدة، بدأ الصراع على اللوائح يكشف ملامح معركة أكثر شراسة داخل الشمال. فالأصالة والمعاصرة يحاول حسم ترشيحاته عبر بوابة اختراق الأحرار، والتجمع الوطني للأحرار يجد نفسه أمام سؤال مبكر حول قدرة الحزب على منع تحول ملفات التزكية إلى مداخل لاستنزاف قواعده المحلية.
وتبقى نتيجة هذا الاختراق مؤجلة إلى يوم الاقتراع. غير أن أثره السياسي بدأ منذ الآن، بعدما حول إعلان لوائح البام في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى رسالة واضحة مفادها أن معركة شتنبر لن تدار فقط بين الأحزاب، بل أيضا داخل الخزانات الانتخابية نفسها.







