آليات ثقيلة، عمليات حفر وردم، وأتربة تمتد بمحاذاة بحيرة سيدي احساين جنوب طنجة. ورش يتحرك على الأرض، لكن من دون لوحة تعريفية تكشف اسم المشروع أو الجهة المشرفة عليه، ما فتح باب التساؤلات بشأن ما يجري في واحد من أبرز المسطحات المائية بضواحي المدينة.
المشهد أثار مخاوف من طمر أجزاء من البحيرة أو تغيير معالمها، خصوصا بعد رصد مسالك جديدة وأشغال تسوية على مقربة من المياه. لكن معطيات أخرى تعيد توجيه الأنظار نحو مشروع مختلف تماما، هو الخط السككي الجديد الذي سيربط طنجة بمطار ابن بطوطة.
فالمشروع السككي لم يعد فكرة قيد الدراسة. الحكومة أعلنت المنفعة العامة لإنجاز خط يربط محطة طنجة بمطار ابن بطوطة بموجب المرسوم رقم 2.25.887، الصادر في 10 نونبر 2025، مع تحديد العقارات المشمولة بالمسار في تصميم طبوغرافي مرفق بالمرسوم.
وتتقاطع هذه الوثائق مع معطيات سابقة حول مسار الخط، الذي ينطلق من شبكة طنجة السككية ويتجه عبر عين دالية، قبل المرور بمحاذاة سد سيدي احساين، ثم مناطق سوق الجملة والمحطة الطرقية والمجمع الحسني والملعب الكبير، وصولا إلى مطار ابن بطوطة.
وهنا تبرز فرضية ارتباط الأشغال الحالية بالخط الجديد.
فالمكان الذي تتحرك فيه الجرافات يقع ضمن المحور الذي أشارت إليه المعطيات المنشورة لمسار المشروع، كما أن طبيعة الأشغال، من تسوية وردم وإعداد مسالك، تتوافق مع الأعمال الأولية التي تسبق تجهيز منصة السكة.
ودخل المشروع خلال 2026 مرحلة أكثر تقدما. وأظهرت وثائق طلبات عروض مرتبطة بالمكتب الوطني للسكك الحديدية تخصيص تجهيزات ومعدات لمسار الربط بين طنجة ومطار ابن بطوطة، فيما تحدثت معطيات منشورة في يونيو عن انتقال المشروع إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
فحتى مساء السبت 29 غشت، لم يصدر عن المكتب الوطني للسكك الحديدية أو السلطات المحلية إعلان يربط بصورة صريحة الجرافات الموجودة بمحاذاة بحيرة سيدي احساين بورش القطار.
غياب لوحة تعريفية بالموقع يزيد هذا الغموض، إذ لا يعرف السكان حدود الأشغال ولا طبيعتها ولا المساحة التي ستشملها ولا الإجراءات البيئية المصاحبة لها.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بسبب تاريخ البحيرة مع الضغط العمراني. ففي فبراير الماضي عادت سيدي احساين إلى الواجهة بعد التساقطات المطرية التي رفعت منسوب المياه وأعادت رسم الحدود الطبيعية للمسطح المائي، وسط تحذيرات محلية من الزحف العمراني على محيطه.
لذلك يبدو أن السؤال لم يعد مقتصرا على معرفة هوية المشروع.
إذا كانت الأشغال جزءا من خط القطار، فإن المطلوب هو الكشف عن المسار النهائي للسكة عند وصولها إلى سيدي احساين، والمسافة التي تفصلها عن المياه، وحجم عمليات الردم، والتدابير المقررة للحفاظ على الوظيفة المائية والبيئية للموقع.
أما إذا كانت الأشغال مرتبطة بمشروع آخر، فإن غياب أي تعريف بالورش يجعل الجدل مرشحا للاستمرار.
المؤشرات المتوفرة تربط بقوة بين ما يجري على الأرض ومشروع القطار الجديد نحو المطار، لكن التأكيد النهائي يظل في يد الجهة صاحبة المشروع.
وبين الجرافات التي تتقدم على الأرض والوثائق التي ترسم خطا سككيا بمحاذاة سيدي احساين، تنتظر طنجة جوابا رسميا واحدا: هل بدأ بالفعل شق طريق القطار نحو مطار ابن بطوطة من ضفاف البحيرة؟







