يسدل الستار أواخر العام 2026 على واحدة من أبرز تجارب “التدبير المفوض” في المغرب، مع استعداد مجموعة “فيوليا” الفرنسية، عبر فرعها “أمانديس”، لمغادرة جهة طنجة تطوان الحسيمة، مخلفة وراءها محفظة عقود تقارب قيمتها سبعة مليارات درهم.
ويأتي هذا التحول المالي والإداري في سياق إصلاح هيكلي عميق تقوده الدولة المغربية لإعادة رسم خريطة تدبير المرافق العامة المحلية، وتأسيس نموذج سيادي يضع حداً لتجزئة الخدمات ويستجيب لتحديات الإجهاد المائي.
وتسلط هذه المرحلة الانتقالية الضوء على حجم الرهانات المالية والمؤسساتية المرتبطة بتصفية هذا العقد الضخم، في انتظار النقل الفعلي للصلاحيات.
عائدات ضخمة تسبق طي صفحة “أمانديس”
وكشفت الوثيقة المرجعية السنوية لمجموعة “فيوليا”، الصادرة في 26 فبراير الجاري، عن مؤشرات مالية لافتة لعملياتها في شمال المغرب، حيث حدد التقرير القيمة التعاقدية لمحفظة خدمات “أمانديس” بما يناهز 6,9 مليارات درهم.
ويمثل هذا الغلاف المالي ما يصطلح عليه بـ”تراكم العقود” (Backlog)، وهو المؤشر الذي يعكس إجمالي الإيرادات المؤكدة والمتوقع تحصيلها من فواتير استهلاك شبكات توزيع الماء الصالح للشرب، والكهرباء، والتطهير السائل، خلال الأشهر المتبقية من عمر العقد الإداري.
وتبرز هذه الحصيلة الأداء المالي القوي الذي تنهي به الشركة الفرنسية مسارها التشغيلي في المملكة، محققة تدفقات نقدية مرتفعة في أمتارها الأخيرة.
وبناء على الأجندة الرسمية المتطابقة، ستستمر “أمانديس” في تأمين المرفق العام بمدن طنجة وتطوان والمضيق والفنيدق حتى أواخر العام 2026 كحد أقصى.
ويشكل هذا التاريخ الموعد النهائي لانسحاب الفاعل الأجنبي، تمهيدا لنقل الأصول وتصفية ممتلكات الرجوع والاسترداد، إلى جانب النقل التلقائي للموارد البشرية مع الحفاظ على مكتسباتها المهنية.
ويطرح هذا الرقم الملياري نقاشاً مؤسساتيا حول حجم الكتلة النقدية التي كان المرفق يدرها، والتي تتجه الدولة اليوم نحو إخضاعها لحكامة ترابية تعيد توجيهها لخدمة التنمية المحلية.
حكامة ترابية جديدة ورهان الاستثمار المائي
ولا يمكن قراءة هذه المعطيات المالية بمعزل عن التحول الاستراتيجي الذي يؤطره القانون رقم 83.21 القاضي بإحداث “الشركات الجهوية متعددة الخدمات”، والذي جاء كاستجابة سيادية لتجاوز مرحلة استنفد فيها التدبير المفوض التقليدي أغراضه، بناء على تقييمات مؤسساتية رصدت محدودية هذا النمط في تحقيق التضامن المجالي.
ويفسر خبراء ماليون أهمية استرجاع الدولة للإشراف الحصري على قطاع التوزيع، عبر الشركة الجهوية الجديدة التي شرعت فعليا في تسلم المهام تدريجيا، بكونه سيسمح بضخ العائدات كاستثمارات عمومية مباشرة في البنيات التحتية بدل تحويل جزء كبير منها كأرباح للخارج.
ويمثل هذا التوجه قطيعة مع النموذج السابق، حيث سيمكن من تعبئة الموارد الضرورية لتسريع تحديث الشبكات ومواجهة الإجهاد المائي الذي يتطلب تمويلات ضخمة لضمان الأمن المائي وتقليص نسبة ضياع المياه.
وعلى مستوى الانعكاسات المباشرة على المرتفقين، تهدف الهندسة المؤسساتية الجديدة، التي تساهم في رأسمالها الدولة والجماعات الترابية والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، إلى تحقيق عدالة ترابية عبر التوجه التدريجي نحو توحيد التسعيرة على المستوى الجهوي.
ويسعى هذا النموذج لحماية القدرة الشرائية وإزالة الفوارق التاريخية الموروثة، مؤسساً لمرحلة تضع التوازن الماكرو-اقتصادي واستدامة الخدمة العمومية فوق منطق الربحية التجارية المحضة.







