وتكتسي هذه المخاوف أهمية خاصة بالنسبة للأسر القاطنة بالأحياء المنخفضة والمناطق المحاذية لوادي اللوكوس، والتي كانت الأكثر تعرضا لتداعيات ارتفاع منسوب المياه، بعدما تحولت شوارع وأزقة إلى مساحات مغمورة، واضطر عدد كبير من السكان إلى مغادرة مساكنهم في إطار عمليات إجلاء واسعة شاركت فيها مختلف السلطات المدنية والعسكرية.
وكانت مدينة القصر الكبير قد عاشت، خلال نهاية يناير وبداية فبراير 2026، واحدة من أصعب الفترات المرتبطة بالتقلبات المناخية، إثر التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدها حوض اللوكوس، وما رافقها من ارتفاع كبير في الحمولة المائية للوادي وبلوغ حقينة سد وادي المخازن مستويات استثنائية، الأمر الذي تسبب في تسرب المياه إلى عدد من الأحياء السكنية وتعطيل حركة السير والأنشطة اليومية.
وبلغت خطورة الوضع آنذاك درجة استدعت اتخاذ إجراءات احترازية واسعة النطاق، شملت إجلاء السكان من المناطق المعرضة للخطر، قبل أن تتوسع التدابير لتشمل المدينة، التي لم يبدأ سكانها في العودة التدريجية إلى منازلهم إلا خلال النصف الثاني من فبراير، عقب تحسن الظروف الميدانية واستعادة الخدمات الأساسية.
ولم تقتصر انعكاسات الفيضانات على الأضرار التي لحقت بالمساكن والممتلكات، بل امتدت إلى الأنشطة التجارية والخدمات والحياة الاقتصادية المحلية، بعدما اضطر عدد من التجار والمهنيين إلى التوقف مؤقتا عن العمل، فيما وجدت أسر نفسها أمام تكاليف إضافية لإصلاح المنازل وتعويض التجهيزات والأثاث المتضرر.
وتعكس المعطيات المتعلقة ببرنامج دعم المتضررين حجم الانعكاسات الاجتماعية لهذه الكارثة، إذ كشف رئيس المجلس الجماعي للقصر الكبير، مطلع يونيو الماضي، أن عدد الأسر المستفيدة من المساعدة المالية المباشرة البالغة ستة آلاف درهم وصل إلى نحو 34 ألف أسرة، إلى جانب أكثر من 350 حالة استفادت من التعويض عن الأضرار التي طالت المساكن أو المحلات التجارية، مع استمرار دراسة ملفات أخرى في ذلك التاريخ.
ومع اقتراب التساقطات الخريفية والشتوية، تبرز مجددا مسألة قدرة المدينة على مواجهة فترات الأمطار الغزيرة، خصوصا أن طبيعتها الجغرافية وموقعها ضمن السهل الفيضي لوادي اللوكوس يجعلان بعض أحيائها ومحيطها عرضة لتجمع المياه وارتفاع منسوب الوادي عند تزامن التساقطات القوية مع ارتفاع التدفقات المائية القادمة من أعالي الحوض.
وتعزز نتائج أبحاث علمية حديثة المخاوف المرتبطة باستمرار قابلية المنطقة للتعرض للفيضانات، إذ كشفت دراسة أنجزها باحثون من جامعتي عبد المالك السعدي ومحمد الخامس بالرباط، ونشرت في أبريل 2026 على منصة الأبحاث العلمية التابعة للاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض، أن المناطق الممتدة بمحاذاة وادي اللوكوس والسهول الواقعة في مجراه السفلي تتركز بها أعلى مستويات القابلية للتعرض للغمر.
واعتمد الباحثون في دراستهم على صور الأقمار الاصطناعية ومعطيات طبوغرافية ومناخية، إلى جانب تقنيات التعلم الآلي، من أجل إعداد خرائط للمناطق الأكثر عرضة للفيضانات. وأظهرت النتائج أن الارتفاع عن سطح البحر يشكل أحد أبرز العوامل المحددة لمستوى الخطر، إلى جانب انحدار التضاريس والقرب من المجاري المائية وكثافة شبكة التصريف والتساقطات المطرية.
واللافت أن الدراسة، التي حملت عنوان «تطبيق التعلم الآلي لرسم خرائط القابلية للفيضانات بحوض اللوكوس»، قارنت نتائج نماذجها بالمناطق التي غمرتها المياه فعليا خلال فيضانات يناير وفبراير 2026، لتسجل تطابقا كبيرا بين المناطق المصنفة ضمن مستويات الخطورة المرتفعة والمساحات التي تعرضت للغمر، وهو ما يعزز أهمية اعتماد هذه الخرائط في التخطيط العمراني وتحديد أولويات الحماية والوقاية. وتظل الدراسة منشورة في صيغة بحث أولي لم يستكمل مسار التحكيم العلمي النهائي.
وأبرزت الدراسة، التي استعانت بصور رادارية ملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية لتحليل امتداد المياه وتغير استعمالات الأراضي، أن إنجاز سد وادي المخازن ساهم في الحد من مخاطر الفيضانات وتنظيم الموارد المائية بالحوض، دون أن يؤدي إلى القضاء النهائي على احتمالات حدوثها، خاصة في المجالات المنخفضة والمناطق المرتبطة مباشرة بالمجرى النهري.
وسجل الباحثون، في إحدى المناطق الواقعة بالمحيط شبه الحضري للقصر الكبير، وصول نسبة المساحات المصنفة مياها أو غطاء نباتيا مغمورا إلى 64,4 في المائة بعد الفيضانات، فيما ظلت المياه تغطي 39,3 في المائة من المساحة المدروسة خلال ربيع 2026، وهو ما يكشف استمرار آثار الغمر في بعض أجزاء المجال الفيضي حتى بعد انحسار ذروة الأزمة.
وتسلط هذه النتائج الضوء على تحديات تتجاوز التدخلات الاستعجالية خلال فترات التساقطات، لتشمل تدبير التوسع العمراني بالمناطق المعرضة للفيضانات، وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار، وصيانة المجاري والقنوات المائية، فضلا عن تقوية أنظمة الرصد والإنذار المبكر وتحيين خرائط المخاطر.
كما تطرح مسألة التنسيق بين مختلف المؤسسات المتدخلة في تدبير الموارد المائية والوقاية من الفيضانات، بالنظر إلى الترابط بين التساقطات المسجلة بأعالي الحوض، وتطور مخزون السدود، والحمولات التي تصل إلى المجاري المائية والمناطق المنخفضة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الانتقال من تدبير تداعيات الفيضانات بعد وقوعها إلى اعتماد مقاربة استباقية تستند إلى الدراسات العلمية والمعطيات الميدانية، من خلال تحديد الأحياء الأكثر هشاشة وإخضاع منشآت تصريف المياه للتقييم والصيانة الدورية، مع وضع خطط واضحة للتدخل والإجلاء عند تسجيل مؤشرات تنذر بارتفاع مستوى الخطر.
ورغم أن تكرار فيضانات مماثلة لتلك التي شهدتها المدينة مطلع السنة الجارية يظل مرتبطا بطبيعة التساقطات وكمياتها وتوزيعها الزمني، فضلا عن الوضعية الهيدرولوجية لحوض اللوكوس، فإن الدراسات المتوفرة تؤكد استمرار عوامل الهشاشة الطبيعية التي تجعل الاستعداد المبكر ضرورة لتقليص الأضرار المحتملة.
وبين ذكريات الإجلاء والخسائر التي خلفتها الفيضانات الماضية، وترقب ما قد يحمله موسم الأمطار المقبل، يعود سؤال الحماية من الفيضانات إلى واجهة الاهتمام بمدينة القصر الكبير، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على ضمان سرعة التدخل عند وقوع الكارثة، بل أصبح يرتبط أيضا بمدى القدرة على تقليص احتمالات تكرار آثارها، وتعزيز شعور السكان بالأمان داخل أحيائهم ومساكنهم.







