تحت الأسقف الخرسانية للمركز الوطني للتخييم بـ”الغابة الدبلوماسية”، يفرض المطر إيقاعه الرتيب على النوافذ الموصدة. هنا، في القاعة التي اعتادت صخب المخيمات الصيفية، يسود منذ أيام صمت لا يقطعه إلا وقع الخطوات أو همس العائلات.
وفي هذا الفضاء الذي تغيرت وظيفته على عجل، تصطف الأسرّة الحديدية في نسق عسكري، وتتكدس عند قوائمها حقائب لا تشبه أمتعة السفر؛ فلا ملابس للعطلة فيها، بل وثائق ثبوتية، وعلب دواء، وأغطية شتوية خُطفت من الخزائن في دقائق معدودة.
وعلى أحد هذه الأسرّة، تجلس سيدة مسنة على حافة سرير، تسوّي غطاء صوفيا حول حفيدها الغارق في النوم. عيناها معلقتان بالسقف، لكنهما لا تعكسان فزع الغرقى، بل صبر المنتظرين.
فهؤلاء لم تقذف بهم السيول إلى هذا المأوى، ولم ينتشلهم رجال الوقاية المدنية من فوق أسطح المنازل في آخر لحظة؛ بل غادروا بيوتهم جافة، ونزلوا من الحافلات بأقدام ثابتة، امتثالا لقرار سلطات عمومية استبق الغيم، وحوّل النزوح من مأساة اضطرارية إلى خيار وقائي بارد.
أرقام بحجم مدن
ولم يكن مشهد الغابة الدبلوماسية نشازا معزولا، بل حلقة ضمن سلسلة إجراءات شملت شمال المملكة برمته. ففي الوقت الذي كانت فيه السماء تعد العدة لإفراغ حمولتها، كانت الأرض تتحرك وفق إيقاع مضبوط؛ إذ تولت لجان اليقظة تحديد الإحداثيات، بينما أمّنت عناصر الوقاية المدنية المسالك، وسابقت السلطات المحلية الزمن لإخلاء ممرات المياه.
وفي هذا السياق، خاض إقليم العرائش، وتحديدا حوض اللوكوس المحيط بالقصر الكبير، اختبارا من أعقد ما عرفته المنطقة. حيث تشير السجلات الرسمية إلى أن عملية الإجلاء الوقائي شملت، إلى حدود الخميس 5 فبراير، ما يناهز 111 ألف شخص.
ولا يمكن التعامل مع هذا الرقم باعتباره إحصائية صماء في تقرير روتيني، لأنه يعني عمليا اقتلاع ساكنة مدينة متوسطة الحجم من جذورها مؤقتا. وهو ما استدعى تسيير أسطول من الشاحنات والحافلات في دروب وعرة، وإقناع الفلاحين بترك ماشيتهم وأرزاقهم خلف ظهورهم والنجاة بأرواحهم، قبل أن تتحول الوديان الوادعة إلى مصائد مميتة.
وهكذا، بدت المعادلة واضحة: كلفة النقل والإيواء مهما ثقلت، تظل أخف وطأة من فاتورة الأرواح.
وإذا كان الإجلاء المؤقت هو عنوان المرحلة في إقليم العرائش، فإن تطوان اختارت التعامل مع الخطر بمشرط جراح. إذ لم تلجأ السلطات هناك إلى الإخلاء الشامل، بل انتقت بؤر الخطر بدقة؛ فاستهدفت المساكن الرابضة في مجاري وادي مرتيل ووادي المحنش. وأكثر من 500 أسرة وجدت نفسها تُنقل، بهدوء وحزم، بعيدا عن مسارات السيول المحتملة.
وفي مراكز الإيواء العشرة التي شُرّعت أبوابها في وجه الوافدين، لم يقف الأمر عند توفير السقف والغطاء فحسب؛ بل حضرت الأطقم الطبية والمواكبة النفسية، في وعي رسمي بأن مغادرة البيت قسرا، ولو لحماية النفس، تخلّف ندوبا لا يداويها مجرد سقف إسمنتي، بل تحتاج إلى طمأنة الخائف ورعاية الهش.
إخلاء المدن.. وعيون الجبال
أما في طنجة وأصيلة، حيث يضيق الشارع بالبشر والحجر، فقد اتخذت الوقاية طابع شل الحركة. فلم يكن تمديد تعليق الدراسة مجرد عطلة إضافية، بل تفريغا متعمدا لشرايين المدينة من مئات الآلاف من التلاميذ وحافلات النقل. وبهذا القرار، أرادت السلطات طرقا سالكة لآليات التدخل، وشوارع خالية من المارة، لئلا تتحول السيول إلى مصائد للأبرياء. لقد توقفت المدينة طواعية لكي تتنفس مصارف المياه.
وفي المقابل، في أعالي شفشاون حيث التضاريس لا ترحم، كانت المعركة مختلفة في أدواتها، لكنها واحدة في منطقها. هناك، عوضت المراقبة اللصيقة عمليات الإجلاء الواسع. وربضت آليات الحفر عند المنعطفات الحرجة، بينما ظلت العيون تراقب تشبع التربة، جاهزة للتدخل الفوري أو فتح مراكز الإيواء القريبة عند أول إنذار.
وتُدار هذه العملية برمتها من غرف قيادة لا تنتظر وقوع الكارثة لتتحرك. إذ يبدو أن العقيدة الميدانية قد تغيرت جذريا؛ فاللون الأحمر في نشرة الأرصاد لم يعد خبرا جويا، بل صار أمرا بالتحرك. وحين تومض الشاشات بالخطر، تدور العجلات فورا لنقل البشر قبل أن يقطع الماء الطريق.
وفي ختام هذا المشهد المتشابك، يسدل الليل ستاره على مركز الغابة الدبلوماسية، بينما تعصف الرياح بالأشجار في الخارج. داخل القاعة، يغالب طفل النعاس وهو يخط بإصبعه على زجاج النافذة المضبب، غير مدرك أن دفء مكانه الآن هو ثمرة قرار اتُخذ قبل أيام في مكتب بعيد. وبجانبه، تتفقد والدته هاتفها بحثا عن موعد انحسار العاصفة. فالكل هنا يعلم أن العودة إلى البيت ليست مجرد نهاية لرحلة إدارية، بل عودة إلى حياة باتت معلقة بتقلب مناخ لم يعد يؤتمن جانبه.







