في مساء 21 غشت2026، كانت مجموعة من العمال تحفر قبوراً جديدة في المقبرة الإسلامية بسبتة.
دُفن 18 مهاجراً من دون أسماء، بعدما ماتوا خلال واحدة من أكثر أزمات الحدود دموية في تاريخ المدينة الحديث. حملت القبور أرقاماً بدلاً من أسماء، في انتظار أن تتعرف عائلات يوماً إلى أصحابها.
كان للتاريخ في ذلك اليوم معنى آخر.
قبل 611 عاماً بالضبط، في 21 غشت 1415، دخلت القوات البرتغالية سبتة بعد هجوم واسع قاده الملك جواو الأول وأبناؤه.
وتشير المصادر التاريخية البرتغالية إلى أن سقوط المدينة شكل أول عملية توسع كبرى للتاج البرتغالي خارج أوروبا، واللحظة التي بدأ منها مشروع الإمبراطورية البرتغالية وراء البحار.
بعد أكثر من ستة قرون، لا تزال المدينة الواقعة على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
وفي مصادفة بدت وكأن التاريخ أعاد نفسه إلى واجهة السياسة، اختار وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي يوم 21 غشت 2026 نفسه ليؤكد أن سبتة ومليلية تمثلان، من وجهة النظر المغربية، “حقاً تاريخياً وجغرافياً”، داعياً إلى إنشاء آلية أو لجنة للحوار مع مدريد بشأن مستقبلهما و”عودتهما إلى حضن الوطن”.
جاء الرد الإسباني في اليوم التالي، 22 غشت، سريعاً وحاسماً. قالت وزارة الخارجية الإسبانية إن مدريد نقلت إلى الرباط رفضها “القاطع” لأي طرح يمس السيادة الإسبانية على المدينتين، مؤكدة أنهما جزء من الأراضي الإسبانية والاتحاد الأوروبي.
وهكذا، بعد 611 عاماً من وصول السفن البرتغالية إلى شاطئ سبتة، عادت المدينة إلى قلب سؤال لم يغادر العلاقات بين ضفتي المضيق.
من يملك هذه الأرض، ومن يملك روايتها؟
كانت سبتة قبل سنة 1415 مدينة إسلامية مهمة ومركزاً تجارياً على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة. وفيها ولد الجغرافي محمد الإدريسي نحو سنة 1100، صاحب العمل الجغرافي الذي أنجز سنة 1154 لحساب روجر الثاني ملك صقلية، والذي يعد من أبرز الأعمال الخرائطية في العصور الوسطى.
لم يكن سقوط سبتة نهاية الحكم الإسلامي في المغرب، كما تصفه بعض الروايات الشعبية، لكنه كان تحولاً استراتيجياً كبيراً. فقد حصل قبل سقوط غرناطة سنة 1492 بنحو 77 عاماً، ومثل بداية مرحلة اتجهت خلالها القوى الإيبيرية بصورة متزايدة نحو الساحل المغربي وإفريقيا والمحيط الأطلسي.
احتفظ البرتغاليون بالمدينة أكثر من قرنين. ثم انتقلت رسمياً إلى التاج الإسباني سنة 1668، بعد اعتراف البرتغال بالسيادة الإسبانية عليها بموجب تسوية سياسية بين المملكتين.
لكن المغرب لم يتوقف عن محاولة استعادتها.
كانت أشهر تلك المحاولات في عهد السلطان المولى إسماعيل. ففي سنة 1694 بدأت القوات المغربية حصاراً طويلاً للمدينة.
استمرت المواجهة، مع انقطاعات وتحولات عسكرية، إلى سنة 1727، لتصبح من أطول عمليات الحصار في التاريخ العسكري الحديث. وانتهت من دون أن تتغير السيطرة على المدينة.
ومنذ ذلك الوقت تغير كل شيء تقريباً حول سبتة، باستثناء الخلاف على وضعها.
بالنسبة إلى إسبانيا، سبتة مدينة إسبانية كاملة السيادة، لها مؤسساتها المنتخبة وحدودها التي تمثل حدوداً خارجية للاتحاد الأوروبي.
أما المغرب فلم يتخل عن المطالبة بها، ويضعها إلى جانب مليلية ضمن الأراضي التي يعتبرها جزءاً من امتداده التاريخي والجغرافي.
لكن سنة 2026 أضافت إلى النزاع القديم عنصراً أكثر إلحاحاً، الهجرة.
في 30 يوليوز، اندفع عشرات الآلاف نحو سبتة في موجة عبور غير مسبوقة. وتحدثت تقارير دولية عن نحو 72 ألف محاولة عبور، فيما خلفت الأحداث عشرات القتلى على جانبي الحدود. وبحلول 9 غشت، أعلنت السلطات الإسبانية العثور على 83 جثماناً مرتبطاً بالأزمة في سبتة ومياهها.
تحولت الشواطئ والأسوار التي كانت طوال قرون مسرحاً للصراع العسكري إلى مسرح لأزمة إنسانية.
عزز المغرب انتشار قواته قرب الفنيدق في الأسابيع التالية، وأقام نقاط مراقبة على الطرق المؤدية إلى سبتة بعد ظهور دعوات جديدة على شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم عمليات عبور جماعية.
وفي مدريد، عقد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز اجتماعات تنسيق متتالية شارك فيها وزراء الداخلية والخارجية والدفاع والهجرة ومسؤولون آخرون لمتابعة الوضع الأمني والإنساني في المدينة.
ثم جاء يوم 21 غشت.
في المقبرة الإسلامية بسيدي امبارك، بدأت عملية دفن الجثامين التي لم تتمكن السلطات من تحديد هويات معظم أصحابها.
و كانت ست جثث فقط قد جرى التعرف إليها بشكل مؤكد حتى بدء عمليات الدفن، فيما وضعت أرقام على القبور لتسهيل التعرف إليها أو نقلها مستقبلاً إذا ظهرت عائلات الضحايا.
على بعد كيلومترات قليلة، وراء الحدود، كان وزير مغربي يعيد إلى النقاش كلمات ظلت حاضرة منذ أجيال، التاريخ والجغرافيا والسيادة.
إنها طبقات مختلفة لقصة مدينة واحدة.
مدينة بدأ فصلها الأوروبي في 21 غشت 1415، حين وصلت إليها قوة برتغالية بالسفن والسلاح.
وبعد 611 عاماً، في التاريخ نفسه تقريباً، كانت سبتة تحفر قبوراً لمهاجرين ماتوا وهم يحاولون الوصول إليها، بينما عادت الرباط ومدريد إلى الاختلاف علناً بشأن السؤال الذي ظل معلقاً طوال قرون، مستقبل المدينة نفسها.







