ينكشف شاطئ بلايا بلانكا فجأة بعد آخر منعرجات الطريق الساحلية شرق طنجة. في الأسفل، يبدو الخليج مثل نصف دائرة زرقاء تحاصرها المرتفعات، فيما تتلاصق البيوت البيضاء فوق شريط رملي ضيق لا يحتاج الزائر إلى أكثر من دقائق لعبوره من طرف إلى آخر.
من أعلى المنحدر، يبدو المكان هادئا ومعزولا عن صخب المدينة. لكن الصورة تتغير عند الاقتراب من الرمل. سيارات تبحث عن موضع أخير للركن، وأسر تنقل المظلات والكراسي وصناديق الطعام عبر الممرات، وأطفال يسبقون ذويهم نحو الماء، بينما تتقاسم المساحة المحدودة أجساد المصطافين ومعدات السباحة والخدمات الموسمية.
يعرف الشاطئ رسميا باسم الأميرالات، لكن اسمه الإسباني “بلايا بلانكا”، أي الشاطئ الأبيض، هو الأكثر حضورا في حديث سكان طنجة وزوارها. ويختصر الاسم أول ما يلفت الانتباه في المكان: رمل فاتح، ومبان بيضاء، وماء يتدرج لونه بين الأزرق والفيروزي حين تكون السماء صافية والبحر هادئا.
لا يتجاوز المجال المدبر للشاطئ نحو 400 متر، فيما يبدو الشريط الرملي الفعلي أقصر من ذلك. هذا الحجم الصغير يمنح الخليج طابعا حميميا، لكنه يحوله في ذروة الصيف إلى فضاء شديد الحساسية لكل زيادة في عدد الزوار.
عند منتصف النهار، تتراجع المسافات بين المظلات. ويضطر القادمون المتأخرون إلى البحث عن رقعة رملية قرب الجدران أو الممرات، بينما تكشف حركة المصطافين حجم الضغط الذي يتعرض له شاطئ لا يمتلك امتداد الشواطئ المفتوحة ولا فضاء خلفيا واسعا لاستقبال السيارات والخدمات.
يبدو البحر، من الضفة، أكثر اتساعا من الرمل. فالشاطئ محصور داخل تقعر ساحلي تحميه نتوءات صخرية من الجانبين، وهو ما يمنح مياهه هدوءا نسبيا في بعض الأيام، ويجعله جذابا للعائلات والأطفال.
لكن هذا الهدوء لا يستمر دائما. فالساحل المطل على مضيق جبل طارق يتأثر بالأمواج القادمة من الأطلسي وبالرياح الشرقية المحلية، ويمكن لسطح الماء أن يتغير خلال ساعات، خصوصا حين تشتد الرياح ويبدأ الموج في دفع الرمال على طول الخليج.
وتصف الدراسات الجيومورفولوجية بلايا بلانكا بأنه شاطئ جيبي، أي شريط رملي صغير محصور بين أطراف صخرية. وتتحرك حبيبات رمله باستمرار بفعل الأمواج والتيارات، رغم أن الشاطئ يبدو للعين كتلة ثابتة لا تتغير.
تنتقل غالبية الرمال عبر قفزات قصيرة فوق القاع، فيما تبقى حبيبات أدق معلقة داخل الماء قبل أن تستقر في موضع آخر. وتفسر هذه الحركة اختلاف عرض الشاطئ بين فترة وأخرى، وظهور الرمل في جانب أكثر من الجانب المقابل بحسب اتجاه الموج.
لا تثير هذه التفاصيل اهتمام معظم المصطافين الذين ينزلون إلى الماء بمجرد الوصول. ما يعنيهم هو صفاؤه ودرجة حرارته والمساحة المتاحة للسباحة. غير أن المظهر البصري لا يكشف وحده جودة مياه الاستحمام.
فقد ظهر شاطئ الأميرالات خلال سنوات متتالية ضمن لوائح رسمية لشواطئ لم تستوف بعض نقاط مراقبتها المعايير الميكروبيولوجية المطلوبة للسباحة. وسجلت تقارير سابقة عدم مطابقة محطات أخذ عينات داخل الشاطئ، من دون أن تعني هذه النتائج أن الماء يكون ملوثا بالدرجة نفسها طوال الموسم أو في جميع الأيام.
وتتغير جودة مياه البحر بحسب الأمطار، وحركة التيارات، وكثافة المصطافين، ووضع شبكات التطهير والمرافق الصحية ومجاري تصريف المياه. لكن الزائر العادي لا يستطيع معرفة هذه التفاصيل من لون الماء أو رائحته، ويظل معتمدا على نتائج التحاليل المنشورة واللوحات الموجودة عند مداخل الشاطئ.
في بلايا بلانكا، تكتسب المعلومة الصحية أهمية إضافية بسبب صغر الخليج وكثافة الاستعمال الصيفي. فكل زيادة في عدد الزوار تظهر بسرعة على الرمل، وفي النفايات، والمرافق، وحركة السيارات، كما يمكن لأي تدفق ملوث أو جريان بعد الأمطار أن يؤثر في مجال مائي محدود نسبيا.
خلف المصطافين، تفرض المباني حضورها على المشهد. واجهات وشرفات وأبواب تنفتح على مسافة قريبة من الشاطئ، حتى يبدو الخليج في بعض الزوايا كأنه فناء مشترك لإقامات اصطيافية أكثر منه شاطئا مفتوحا على المجال العام.
ترتبط هذه المباني بتاريخ طويل من الاستعمال الصيفي للمنطقة، لكنها ترتبط أيضا بملف قانوني سبق أن أثاره المجلس الأعلى للحسابات. فقد أشار تقرير رسمي إلى تحول أكواخ اصطياف مرخصة داخل الملك العمومي البحري إلى بنايات صلبة، وطرح أسئلة بشأن طبيعة التراخيص وحدود الاحتلال المؤقت للشاطئ.
وردت وزارة التجهيز آنذاك بأن المنشآت تعود إلى فترة سبقت صدور قانون التعمير، وأن التراخيص الأصلية كانت تخص أكواخا اصطيافية، فيما تقع مسؤولية تراخيص البناء ضمن اختصاص الجماعات المحلية.
لا يرى المصطاف شيئا من هذا الجدل وهو يبحث عن ممر إلى الرمل. ما يراه هو تداخل المجال العام مع الواجهات السكنية، وغياب علامات واضحة تشرح أين تنتهي الملكيات الخاصة وأين يبدأ الملك العمومي البحري، وأي الممرات يجب أن تظل مفتوحة أمام الجميع.
في آخر النهار، تنسحب بعض الأسر وتظهر من جديد أجزاء من الرمل ظلت مخفية تحت المظلات. يحمل الأطفال ألعابهم المبللة، ويصعد الزوار ببطء نحو الطريق، بينما تبقى على الشاطئ آثار يوم كامل من الاستعمال: حفر في الرمل، وبقايا طعام، وكراس فارغة، وصف من السيارات ينتظر الخروج عبر المسلك نفسه.
يستعيد الخليج هدوءه تدريجيا، لكن ضيق المكان يبقى ظاهرا حتى بعد انحسار الزحام. فلا يفصل البحر عن المباني سوى شريط محدود، ولا تفصل جاذبية الشاطئ عن هشاشته سوى طريقة تدبيره.
يجمع بلايا بلانكا في مساحة صغيرة معظم التحديات التي تواجه الساحل الطنجي: ضغط المصطافين، ومحدودية الولوج، وحركة الرمال، ومراقبة جودة المياه، وتداخل البناء مع الملك العمومي البحري.
ويظل الخليج محتفظا بجماله الذي يدفع الزوار إلى النزول إليه من الطريق كل صيف. غير أن المشهد الذي يبدو مثاليا من أعلى المنحدر يكشف، عند مستوى الرمل، شاطئا يحتاج إلى مساحة أكبر مما يملك، وإلى معلومات أوضح مما يعرض، وإلى حماية تمنع أن تتحول جاذبيته نفسها إلى أكبر مصدر للضغط عليه.







