تعيد عمليات الهدم وإخلاء العقارات التي شهدتها الرباط والدار البيضاء خلال الأشهر الماضية طرح سؤال ظل أقل حضورا في طنجة، بشأن قدرة برامج التأهيل الحضري التقليدية على معالجة اختلالات مدينة توسعت عمرانيا وسكانيا بوتيرة سريعة، بينما ظلت نسبة مهمة من الخدمات والأنشطة متمركزة في نطاق حضري محدود.
ولا تعلن السلطات المحلية حتى الآن برنامجا موحدا لإخلاء أو هدم مناطق قائمة على غرار تدخلات شهدتها مدن مغربية أخرى، لكن تراكم ملفات الطرق والأحياء الناقصة التجهيز والمباني المهددة بالانهيار والعقارات المطلوبة للمرافق يضع المدينة أمام تدخلات قد تتجاوز إعادة التزفيت وتهيئة الواجهات.
ويرى خبير متخصص في التعمير والتراث المعماري أن جانبا أساسيا من المشكلة يرتبط بطريقة توزيع وظائف المدينة، بعدما اتسع العمران والسكن نحو مناطق جديدة من دون أن تنتقل إليها بالوتيرة نفسها الخدمات والأنشطة التي يوفرها مركز طنجة.
وقال الخبير الذي طلب عدم الكشف عن صفته، إن معالجة الضغط على وسط المدينة لا ينبغي أن تنحصر في توسيع الطرق أو توفير مواقف إضافية للسيارات، بل في تقليص الأسباب التي تدفع أعدادا كبيرة من السكان إلى التوجه يوميا نحو المركز.
وأضاف أن المطلوب هو توفير خدمات وأنشطة ومرافق داخل الأحياء والمناطق التي استقبلت التوسع السكاني، بما يسمح بتلبية جزء مهم من حاجات السكان بالقرب من أماكن إقامتهم.
وبحسب هذا التصور، لا تعكس أزمة السير فقط ارتفاع عدد السيارات أو محدودية بعض الشوارع، بل أيضا اتساع ما يمكن وصفه بـ”المدينة السكنية” بوتيرة أسرع من “المدينة الوظيفية”، إذ انتقل السكان نحو الأطراف بينما ظلت التجارة والإدارة والخدمات والترفيه متمركزة في أجزاء محدودة.
ويجعل ذلك محاور بعينها تستقبل يوميا تدفقات قادمة من مناطق مختلفة، في وقت تظل فيه أجزاء واسعة من التوسع العمراني مرتبطة بالمركز في عدد من حاجاتها الأساسية.
وقال الخبير إن “المشكلة ليست فقط في كيفية إيصال سكان الأطراف إلى المركز بسرعة أكبر، بل في تقليص حاجتهم أصلا إلى التوجه إليه يوميا”، معتبرا أن إعادة التوازن تتطلب تطوير مراكز حضرية داخل الأحياء والمناطق السكنية الكبرى.
وتفتح هذه المقاربة نقاشا حول طبيعة النمو العمراني نفسه، إذ قد يدفع الحد من الزحف الأفقي إلى زيادة الكثافة والبناء العمودي، لكن الخبير يرى أن ذلك لا يمكن فصله عن قدرة الطرق والمدارس والمرافق ومواقف السيارات والمساحات العامة وشبكات الماء والتطهير على استيعاب سكان إضافيين.
فزيادة الكثافة داخل مجال يعاني أصلا من نقص التجهيزات قد تضيف ضغطا على الشبكات القائمة بدلا من إنتاج مدينة أكثر توازنا.
مكاسب تأهيل تحت الضغط
ويكتسب هذا النقاش أهمية بعد أكثر من عقد من إطلاق برنامج “طنجة الكبرى”، الذي قدم سنة 2013 باعتباره مشروعا لإحداث تحول في البنية الحضرية للمدينة حتى سنة 2017، باستثمارات قدرت في البداية بـ7,663 مليارات درهم، قبل أن ترتفع الكلفة لاحقا إلى نحو تسعة مليارات درهم.
وشمل البرنامج الطرق والتجهيزات والصحة والتعليم والثقافة والرياضة والبيئة، إضافة إلى تهيئة مداخل المدينة وعدد من الأحياء والفضاءات العامة، وساهم خلال سنوات قليلة في تغيير صورة أجزاء واسعة من طنجة.
لكن عددا من مظاهر الضغط عاد إلى الواجهة بعد فترة قصيرة نسبيا، مع استمرار الاختناق في محاور سبق تأهيلها، وتدهور بعض الطرق والفضاءات، وعودة الأشغال إلى مواقع خضعت للتدخل قبل سنوات، إلى جانب استمرار مشكلات تصريف مياه الأمطار في مناطق مختلفة.
ولا تلغي هذه التطورات المنشآت والتجهيزات التي وفرها البرنامج، لكنها تطرح تساؤلات حول قدرة التأهيل وحده على الصمود أمام نمو عمراني وسكاني متواصل عندما لا يواكبه توزيع أوسع للخدمات والأنشطة.
ويرى الخبير أن هذه الوضعية تظهر الفرق بين “تأهيل المجال” و”إعادة تنظيمه”، موضحا أن إصلاح الطريق أو تجديد الرصيف والإنارة قد يحسن الوضع، لكنه لا يعالج اختلالا يكون مصدره غياب طريق نافذة أو نقص المرافق أو التركيز المفرط للأنشطة في نطاق واحد.
ويوضح استمرار الضغط على محاور سبق توسيعها أو تهيئتها أن الزيادة في قدرتها الاستيعابية يمكن أن تمنح هامشا مؤقتا، قبل أن تمتصه حركة التنقل الجديدة إذا بقي توزيع وظائف المدينة على حاله.
وتبرز هذه المشكلة بصورة أكبر في المناطق التي توسعت فيها الكتل السكنية قبل اكتمال شبكة الطرق والمرافق، لأن توفير تجهيز أو فتح محور داخل نسيج أصبح مبنيا ومأهولا يكون أكثر تعقيدا وكلفة من إنجازه قبل البناء.
وتشير حصيلة للوكالة الحضرية إلى إنجاز 115 تصميما لإعادة هيكلة أحياء ناقصة التجهيز، يوجد 82 في المئة منها داخل جماعة طنجة، فيما كانت 61 دراسة إضافية في طور الإنجاز بالمدينة إلى غاية 2024.
ولا تعني إعادة الهيكلة في حد ذاتها إزالة المساكن، إذ يمكن أن تشمل تسوية البناء وإدخال الشبكات وفتح الطرق وتوفير التجهيزات، لكنها تصبح أكثر تعقيدا عندما يمر شارع مقترح عبر مبان قائمة، أو تكون أرض مخصصة لمرفق عمومي قد شيدت فوقها مساكن أو محلات.
وتظهر هذه الإشكالات خصوصا في المجالات التي عرفت توسعا عمرانيا سريعا، بينها بني مكادة والعوامة ومغوغة وطنجة البالية وأكزناية، حيث لم يتطور عرض الطرق والمرافق دائما بالنسبة نفسها التي نما بها السكن.
وفي هذه المناطق، لا تقتصر المشكلة على جودة الأزقة أو الإنارة، بل تمتد إلى ربط تجمعات سكنية كبيرة بالمحاور الرئيسية وتوفير مدارس وأسواق ومراكز خدمات وفضاءات عامة داخل نسيج استهلك البناء جزءا كبيرا من أراضيه.
ويرى الخبير أن الحل لا يكمن في دفع مزيد من الحركة نحو المركز، بل في خلق مراكز محلية قادرة على تجميع الخدمات والأنشطة داخل الأحياء الكبرى وتقليص التبعية اليومية لوسط المدينة.
العقار يرفع كلفة التصحيح
غير أن توفير هذه الوظائف داخل المناطق المكتظة يطرح بدوره مشكلة العقار، إذ تحتاج المدارس والأسواق والحدائق والمواقف والطرق والمراكز الثقافية إلى أراض قد لا تكون متاحة داخل أحياء استهلك البناء معظم مساحاتها.
وفي هذه الحالات، قد تضطر المؤسسات إلى اقتناء عقارات قائمة أو اللجوء إلى نزع الملكية للمنفعة العامة لتعبئة الأراضي المطلوبة للمرافق والطرق.
وتستخدم جماعة طنجة بالفعل آليات الاقتناء ونزع الملكية لإنجاز طرق وتجهيزات مختلفة، وهي مساطر لا تعني بالضرورة الهدم، لكنها قد تنتهي بإزالة بنايات أو أجزاء منها عندما تقع داخل مسار مشروع أو فوق وعاء مطلوب لمرفق عمومي.
ويزداد التعقيد عندما لا يتعلق الأمر بأرض خالية، بل بمساكن ومحلات وأنشطة اقتصادية وحقوق ملكية أو كراء قائمة، ما يرفع الكلفة المالية والاجتماعية لأي تدخل.
وهنا يظهر الفرق بين برامج التأهيل التي تعمل داخل المجال القائم، وتدخلات أعمق تتطلب تغيير بعض مكوناته حتى يصبح قادرا على استيعاب طريق أو مرفق جديد.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن طنجة مقبلة على عمليات هدم واسعة على غرار بعض الحالات التي شهدتها الرباط والدار البيضاء، إذ يمكن أن يقتصر التدخل على عقار أو مجموعة محدودة من المباني، لكنه ينتقل بالمعالجة من إصلاح المجال إلى إعادة تنظيم جزء منه.
ويضاف إلى ذلك ملف المباني المهددة بالانهيار، بعدما أظهرت معطيات عرضت في مارس 2026 جرد 1179 بناية آيلة للسقوط بمدينة طنجة، فيما يستهدف برنامج خاص 328 بناية سكنية مصنفة في وضعية خطر داخل المدينة العتيقة، بميزانية قدرها 125 مليون درهم للفترة بين 2025 و2028.
وتظل الأولوية داخل النسيج التاريخي للتدعيم والترميم بالنظر إلى القيمة المعمارية والتراثية للمباني، لكن بعض الحالات قد تفرض الإخلاء أو الإزالة عندما يتعذر ضمان سلامة المبنى.
ويتداخل في هذا الملف تعدد الملاك والورثة والمكترين مع وجود مساكن ومحلات وأنشطة مختلفة في العقار نفسه، فضلا عن القيود المرتبطة بحماية النسيج المعماري للمدينة العتيقة.
كما أعاد مشروع تصميم تهيئة مقاطعة طنجة المدينة، الذي عرض على البحث العلني بين 26 فبراير و27 مارس 2026، مسألة العلاقة بين المدينة المرسومة في وثائق التخطيط والمدينة القائمة فعليا إلى الواجهة.
وتحدد وثائق التهيئة طرقا ومرافق ومساحات عامة واستعمالات مختلفة للأراضي، لكن نقل هذه الاختيارات إلى الواقع يمكن أن يصطدم بعقارات مبنية أو حقوق قائمة.
ولا يؤدي إدراج طريق أو تجهيز في التصميم تلقائيا إلى الإخلاء، إذ يتطلب التنفيذ توفير الاعتمادات وتحديد العقارات والمرور عبر مساطر الاقتناء أو نزع الملكية والتعويض، لكنه يظهر مسبقا المواقع التي قد تتعارض فيها متطلبات التخطيط مع الوضع القائم.
وقد يجعل ذلك أي مسار لإعادة تنظيم طنجة مختلفا عن العمليات المركزة التي شهدتها مناطق في الرباط والدار البيضاء، عبر تدخلات موزعة تشمل معالجة بناية خطرة، أو تحرير عقار لمرفق، أو اقتطاع ملكيات لتوسيع طريق، أو فتح محور داخل حي مكتظ.
لكن توالي هذه العمليات في مواقع مختلفة يمكن أن يقود في المحصلة إلى تحول أعمق من برامج التأهيل السابقة، لأن التدخل لن يتعلق فقط بالإسفلت والإنارة والواجهات، بل بتوزيع السكن والخدمات والأنشطة والحركة داخل المدينة.
وفي هذا السياق، يمكن أن تظهر ما يسميه المختصون أحيانا “الجراحة الحضرية”، ليس باعتبار الهدم هدفا، بل كأحد الآثار المحتملة لتدخل يرمي إلى فتح طريق أو توفير مرفق أو معالجة مبنى خطر أو استعادة مجال عمومي.
وبالنسبة للخبير، يبقى التحدي الأساسي في طنجة هو تخفيف اعتماد أجزاء واسعة من المدينة على مركز واحد، من خلال نقل جانب من وظائفه إلى المناطق التي استقبلت السكان خلال سنوات التوسع.
وقال إن نجاح أي مقاربة جديدة ينبغي ألا يقاس فقط بعدد الطرق التي يجري تأهيلها أو توسيعها، بل بقدرة الأحياء على توفير الخدمات والأنشطة التي تحد من حركة التنقل الإجباري نحو المركز.
وتظهر تجربة “طنجة الكبرى”، وفق هذا المنظور، قدرة الاستثمار في التأهيل على تحسين البنية الحضرية وتغيير صورة المدينة، لكنها تظهر أيضا أن أثره قد يتآكل بسرعة عندما تستمر أسباب الضغط نفسها.
وبذلك، لا يتركز السؤال المطروح على ما إذا كانت طنجة ستشهد “حملة هدم”، بل على مدى قدرة أدوات التأهيل التقليدية على معالجة اختلالات تشكلت داخل نسيج أصبح مبنيا ومأهولا، وما إذا كان تصحيح بعضها سيحتاج مستقبلا إلى إعادة تنظيم أكثر عمقا للمجال.
فبالنسبة للخبير، “لا يمكن أن يبقى كل شيء منكبّا على مركز المدينة”، معتبرا أن الحل يبدأ بإعطاء مناطق التوسع العمراني ما يكفي من الخدمات والأنشطة لتتحول من تجمعات للسكن إلى أجزاء مكتملة الوظائف داخل المدينة.







