تصطدم الطفرة الصناعية المتسارعة في ضواحي مدينة طنجة، بمعضلة “شح الكفاءات”، حيث تواجه الشركات العاملة في قطاعات السيارات والخدمات المينائية صعوبات متزايدة في ملء آلاف الوظائف التقنية، رغم عرضها رواتب تتجاوز بكثير الحد الأدنى للأجور، في مفارقة تعكس الهوة بين متطلبات السوق والصور النمطية السائدة حول العمل الصناعي.
ويكشف فاعلون اقتصاديون في اقليم الفحص أنجرة، الذي يشكل الظهير الخلفي لميناء طنجة المتوسط، عن خصاص يقدر بنحو 6000 منصب شغل شاغر.
ولا يتعلق هذا العجز بالوظائف البسيطة، بل يتركز بشكل أساسي في المهن التقنية الدقيقة والحيوية، مثل الصيانة الصناعية، وأنظمة التحكم الآلي، وسلاسل إنتاج مكونات السيارات، وهي تخصصات باتت عملة نادرة في سوق العمل المحلي.
وتشير بيانات تشغيلية حديثة إلى أن هذا النقص الحاد يتزامن مع عروض مالية محفزة، حيث تتراوح أجور التقنيين المتخصصين بين 4500 و7000 درهم، بينما تقفز رواتب المناصب المتقدمة لتتراوح بين 7000 و10 آلاف درهم، وقد تصل إلى 15 ألف درهم بالنسبة لمواقع الإشراف والصيانة المتقدمة داخل الوحدات الصناعية الكبرى.
ويؤكد مسؤولو التوظيف أن جوهر الأزمة لا يكمن في المهن الروتينية ذات الأجر المحدود، مثل عمليات “الكابلاج” (تركيب الأسلاك) التي تعتمد غالبا على عمالة مبتدئة، بل في عصب المنظومة الصناعية الذي يتطلب مهارات نوعية.
وتبحث الشركات بشكل حثيث عن تقنيين في الكهرباء الصناعية، والميكاترونيك، واللوجستيك المينائي، وهي كفاءات ضرورية لمواكبة وتيرة النشاط المتصاعد في محيط المركب المينائي الأكبر في المتوسط.
ويرى خبراء أن استمرار سيطرة الصورة النمطية التي تختزل العمل في المناطق الصناعية في مهن التجميع البسيطة، يساهم في توجيه آلاف الخريجين سنويا نحو مسارات لا تلبي الحاجيات الفعلية للمقاولات.
ويؤدي هذا الوضع إلى تباين واضح في مخرجات التكوين، حيث يظل عرض الكفاءات التقنية المتوسطة والمتقدمة محدوداً مقارنة بالطلب المتزايد الذي تفرضه الاستثمارات الجديدة.
وتكتسي هذه المفارقة أهمية خاصة في ظل التحولات الهيكلية التي يشهدها اقتصاد الشمال المغربي، إذ لم يعد التحدي، بحسب مهنيين، مقتصرا على امتصاص البطالة وتوفير فرص العمل كما في السابق، بل انتقل إلى مستوى توفير “النوع المناسب” من الموارد البشرية القادرة على التعامل مع التكنولوجيات الحديثة في الإنتاج والخدمات.
وتدفع هذه الوضعية الشركات المستقرة في المنطقة إلى توسيع نطاق حملات استقطاب المهارات، في سباق مع الزمن لتثبيت مكانة طنجة كمنصة صناعية إقليمية، وضمان عدم تأثر جاذبيتها الاستثمارية بنقص الكفاءات المؤهلة لقيادة الجيل الجديد من الصناعات.







