يبدو حزب الأصالة والمعاصرة في وضع يسمح له بدخول الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل بأفضلية نسبية في دائرة طنجة أصيلة، لكن السباق على مقاعد الدائرة الخمسة يظل مفتوحا بفعل تحولات حزبية أعادت توزيع عدد من الخزانات الانتخابية التي صنعت نتائج اقتراع 2021.
ولا تستند هذه الأفضلية إلى استطلاعات للرأي، إذ لا تتوفر حتى الآن قياسات محلية منشورة بمنهجية معلنة، وإنما إلى قراءة في حجم الانتشار التنظيمي للأحزاب، وشبكات منتخبيها، ومواقع رؤساء الجماعات والمقاطعات، والتحولات التي شهدتها الدائرة منذ آخر انتخابات.
وكان اقتراع 2021 قد كشف عن توازن شديد بين القوى الرئيسية. فقد تصدر الاتحاد الدستوري النتائج بحوالي 22 ألفا و800 صوت، متقدما على الاستقلال الذي تجاوز 21 ألف صوت، فيما حصل الأصالة والمعاصرة والأحرار على نحو 20 ألف صوت لكل منهما، قبل أن يذهب المقعد الخامس إلى الاتحاد الاشتراكي.
الخريطة تتفكك
غير أن أهم ما تغير منذ ذلك الحين هو أن الحزب الذي تصدر الانتخابات لم يعد يحتفظ بالبنية السياسية التي صنعت تلك النتيجة.
فمحمد الزموري، وكيل لائحة الاتحاد الدستوري في 2021، انتقل إلى الحركة الشعبية ويقود هذه المرة لائحة “السنبلة”، بعدما كانت خلافاته مع قيادة حزبه السابق قد خرجت إلى العلن قبل أكثر من عام من الانتخابات.
وقال الزموري آنذاك إن الحركة الشعبية تمثل “الخيار الثاني لي ولباقي زملائي بعد الاتحاد الدستوري”، قبل أن يتحول ذلك الخيار إلى انتقال فعلي.
ولا يعني انتقال الزموري أن أكثر من 22 ألف صوت حصل عليها سنة 2021 ستنتقل معه تلقائيا إلى الحركة الشعبية، إذ تشكل ذلك الرصيد من شبكة شخصية ومحلية، ومن منتخبين كانوا يتحركون داخل الاتحاد الدستوري، إضافة إلى أصوات مرتبطة بالحزب نفسه.
وقد تفرقت أجزاء من هذه الشبكة خلال الأشهر الماضية، وهو ما يجعل السؤال حول الجهة التي ستستفيد من تركة الاتحاد الدستوري واحدا من أبرز مفاتيح الانتخابات المقبلة.
ويبدو الأصالة والمعاصرة في مقدمة المستفيدين حتى الآن، بعدما عزز موقعه داخل الإقليم خلال الولاية الحالية واستقطب منتخبين كانوا يتحركون في محيط أحزاب أخرى، في الوقت الذي يدفع فيه بأمينه الجهوي عبد اللطيف الغلبزوري لقيادة اللائحة.
وكان الغلبزوري قد اعتبر، في تعليق سابق على نتائج انتخابية جزئية حققها حزبه، أن تلك النتائج جاءت نتيجة “عمل ميداني متواصل”، في قراءة تعكس اعتماد الحزب على شبكة منتخبيه وتنظيماته المحلية في بناء قوته الانتخابية.
ويمتلك “البام” نقطة انطلاق مهمة، إذ لم يكن يفصله عن صدارة 2021 سوى أقل من ثلاثة آلاف صوت، بينما أصبح اليوم أكثر انتشارا داخل مواقع التدبير المحلي.
غير أن هذا الانتشار سيخضع لاختبار الصناديق، لأن انتقال المنتخبين بين الأحزاب لا يعني بالضرورة انتقال قواعدهم الانتخابية بالنسبة نفسها.
معركة الوسط
وتبدو هذه المسألة أكثر وضوحا في حالة حزب الاستقلال الذي يعيد تقديم محمد الحمامي، صاحب المركز الثاني في الانتخابات السابقة، والذي حافظ خلال الولاية الحالية على موقعه في رئاسة مقاطعة بني مكادة، إحدى أكبر الكتل السكانية في طنجة.
وكان الحمامي قد قال خلال الجدل الذي سبق حسم تزكيته إن “قوة المرشح لا تصنعها الأحزاب بقدر ما تصنعها القواعد الشعبية التي تمنحه ثقتها”، وهو تصريح يعكس إلى حد بعيد طبيعة الرهان الذي يدخل به الاستقلال الانتخابات.
فالحزب لا يحتاج إلى صناعة كتلة جديدة بالكامل، بقدر حاجته إلى حماية الرصيد الذي وضعه على بعد نحو 1600 صوت فقط من صدارة 2021، ومنع منافسيه من اختراق قواعده التقليدية، خاصة داخل بني مكادة وباقي مناطق امتداده.
لكن الاحتفاظ بالمركز الثاني لن يكون أمرا محسوما إذا نجح العدالة والتنمية في استعادة جزء من ناخبيه السابقين.
ويعد “المصباح” أكبر مجهول انتخابي في دائرة طنجة أصيلة. فالحزب الذي هيمن على الدائرة في انتخابات 2016 بثلاثة مقاعد وأكثر من 60 ألف صوت، خرج منها بعد خمس سنوات دون أي مقعد، قبل أن يحافظ رغم ذلك على تنظيم محلي ظل حاضرا داخل المجالس وفي المعارضة.
ويقود محمد بوزيدان، الرئيس السابق لمقاطعة مغوغة، لائحة الحزب هذه المرة بعد تصدره عملية الاختيار الداخلي، ويستند الحزب إلى شبكة تنظيمية تغطي عددا من مقاطعات طنجة وأصيلة والمجال القروي.
وكان بوزيدان قد وصف الذين واصلوا العمل داخل الحزب بعد هزيمة 2021 بأنهم “أبناء المشروع، لا أبناء اللحظة”، في إشارة إلى احتفاظ التنظيم بنواته رغم انهيار نتيجته الانتخابية.
ولذلك يرتبط موقع العدالة والتنمية في الخريطة المقبلة بعامل المشاركة أكثر من ارتباطه بنتيجة 2021.
فإذا نجح الحزب في إعادة جزء من الناخب الحضري الذي منحه تفوقا واسعا قبل عشر سنوات، فإنه يستطيع الانتقال مباشرة إلى المنافسة على المركزين الثاني والثالث.
أما إذا بقي الإقبال محدودا وأصبحت القدرة على تعبئة شبكات المنتخبين هي المحدد الأكبر، فقد تكون الأفضلية لأحزاب الاستقلال والأصالة والمعاصرة وغيرها من القوى التي تملك امتدادا أوسع داخل المجالس.
وفي هذه الدائرة نفسها يوجد التجمع الوطني للأحرار، الذي كان بدوره قريبا من صدارة الانتخابات السابقة، لكنه يدخل اقتراع شتنبر بعبد الواحد بولعيش بدلا من عمر مورو.
ويضع تغيير وكيل اللائحة الحزب أمام اختبار يتعلق بمدى قدرة التنظيم على الاحتفاظ بكتلة قاربت 20 ألف صوت في الانتخابات الماضية، خصوصا بعد التغييرات التي طرأت على التحالفات وشبكات المنتخبين داخل طنجة أصيلة.
أصوات حاسمة
أما الحركة الشعبية فقد انتقلت، بترشيح الزموري، من موقع حزب محدود الوزن في الدائرة إلى منافس يصعب استبعاده من المراتب المتقدمة.
وسيحدد حجم الرصيد الذي احتفظ به الزموري من تجربته السابقة السقف الذي يمكن أن يصل إليه الحزب. فإذا استطاع نقل الجزء الأكبر من شبكته إلى الحركة، فقد لا تقتصر المنافسة على المركز الخامس، بل يمكن أن تمتد إلى مواقع الأحرار والاستقلال. أما إذا تبين أن القوة التي تصدرت انتخابات 2021 كانت موزعة على عدة شبكات تفرقت لاحقا، فسيكون وضعه أكثر صعوبة.
ويحتفظ الاتحاد الاشتراكي بدوره بأفضلية تبدأ من امتلاكه مقعدا فعليا في الدائرة، بعدما حصل عبد القادر بن الطاهر على أكثر من 11 ألف صوت في 2021، وهو رصيد يجعله طرفا في المنافسة، لكنه يظل معرضا لضغط عودة العدالة والتنمية أو صعود الحركة الشعبية.
ويبدو التقدم والاشتراكية، الذي يدخل السباق بدحمان المزرياحي، مطالبا بتحقيق اختراق أكبر إذا أراد تجاوز القوى التي تبدأ الانتخابات من أرصدة انتخابية وتنظيمية أوسع.
وتجعل هذه العناصر من صدارة الأصالة والمعاصرة السيناريو الأكثر قابلية للدفاع عنه حاليا، بينما تبدو المراتب التالية أكثر عرضة للتغيير.
فالاستقلال يملك كتلة قائمة، والعدالة والتنمية يملك خزانا انتخابيا سابقا يحاول استعادته، والأحرار يدافعون عن نتيجة كبيرة بمرشح جديد، فيما تدخل الحركة الشعبية بقوة مرشح تصدر آخر انتخابات.
وقد لا يحتاج قلب هذه الموازين إلى تحولات ضخمة.
ففي انتخابات 2021، كان أقل من ثلاثة آلاف صوت يفصل بين الأحزاب الأربعة الأولى. وفي دائرة بهذا التقارب، يكفي أن ينتقل جزء من ناخبي الاتحاد الدستوري السابقين إلى الحركة الشعبية أو الأصالة والمعاصرة، أو أن يستعيد العدالة والتنمية بضعة آلاف من ناخبيه، حتى يتغير ترتيب عدة أحزاب دفعة واحدة.
لذلك لن يحدد اقتراع 23 شتنبر فقط من يملك أكبر تنظيم أو أكبر عدد من المنتخبين، بل سيكشف أي الأحزاب استطاع تحويل ما راكمه خلال السنوات الخمس الماضية إلى أصوات، وأي المرشحين استطاع الاحتفاظ بشبكته بعد تغيير الحزب أو الموقع.
وبهذا المعنى، بدأت خريطة طنجة أصيلة تتغير قبل فتح صناديق الاقتراع، بينما ستحدد نسبة المشاركة واتجاه الكتل الانتخابية المتحركة الشكل النهائي لهذا التغيير.







