تتجه العلاقات المغربية الإسبانية نحو اختبار دبلوماسي جديد، بعدما أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الخميس، أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية «خلال الأسابيع المقبلة»، في أول زيارة رسمية له إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014.
ويكتسي الإعلان حساسية خاصة بالنسبة للمغرب، ليس فقط بسبب موقف الرباط من المدينتين، ولكن أيضا بسبب توقيته، إذ يأتي مباشرة بعد أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، وفي خضم تصاعد الجدل السياسي والأمني داخل إسبانيا بشأن العلاقة مع المملكة.
وقال سانشيز أمام مجلس النواب إن زيارة الملك ستعكس «الالتزام المطلق للدولة» تجاه سبتة ومليلية، مؤكدا أن الزيارة ستتم خلال الأسابيع المقبلة.
ويحول تحديد هذا الأفق الزمني الملف من مجرد فكرة كانت مدريد تتداولها خلال الأيام الماضية إلى زيارة يجري الإعداد لها فعليا بين الحكومة والمؤسسة الملكية الإسبانية.
وستكون هذه أول زيارة رسمية يقوم بها فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية بصفته ملكا، كما ستأتي بعد نحو عشرين عاما من الزيارة التي قام بها والده الملك خوان كارلوس إلى المدينتين سنة 2007.
وتحمل السابقة التاريخية دلالة دبلوماسية بالغة، فزيارة خوان كارلوس سنة 2007 أدت إلى أزمة بين الرباط ومدريد، واستدعى المغرب حينها سفيره لدى إسبانيا للتشاور احتجاجا على الخطوة.
ولهذا، فإن اختيار مدريد إعادة الزيارة الملكية في الظرف الحالي قد يفتح مرحلة جديدة من الحساسية في العلاقات الثنائية، خصوصا بعد أسابيع من التوتر الذي رافق أحداث سبتة.
وكان سانشيز قد أعلن منذ 31 غشت وجود «أسباب وحجج كافية» لزيارة الملك للمدينتين، لكنه امتنع حينها عن تحديد موعد، مؤكدا أن الأمر سيجري تنسيقه بين الحكومة والقصر الملكي.
وبعد أيام فقط، انتقل سانشيز إلى تحديد موعد تقريبي، معلنا أمام البرلمان أن الزيارة ستتم «خلال الأسابيع المقبلة».
وتشير تقارير صحافية إسبانية إلى أن رئيس الديوان الملكي كاميلو فيلارينو، الذي سبق له أن شغل منصب سفير إسبانيا في الرباط، يشارك مع وزير الرئاسة فيليكس بولانيوس في التحضير للزيارة وتحديد توقيتها.
وتأتي الخطوة في وقت يتعرض فيه سانشيز لضغوط قوية من المعارضة الإسبانية التي تطالبه بتبني موقف أكثر تشددا تجاه المغرب بعد أزمة سبتة.
وطالب زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فييخو، الخميس، بزيارة ملكية رسمية إلى سبتة ومليلية، وقال إنه كان سيرافق الملك إليها لو كان رئيسا للحكومة.
لكن المفارقة أن سانشيز يتمسك في الوقت نفسه بعدم اتهام الرباط بالوقوف وراء تدفقات 30 و31 يوليوز، مؤكدا أمام البرلمان أنه لا توجد حتى الآن «أدلة صلبة» تثبت أن المغرب صمم أو نفذ العملية.
وتكشف هذه المعادلة عن مسارين متوازيين في السياسة الإسبانية تجاه المغرب: الحفاظ على التعاون الأمني والهجرة مع الرباط من جهة، وإظهار موقف سيادي أكثر صرامة تجاه سبتة ومليلية من جهة أخرى.
وتزداد حساسية الزيارة مع تأكيد سانشيز أمام البرلمان أن سبتة ومليلية ستظلان إسبانيتين «إلى الأبد»، في رسالة سياسية تتجاوز تدبير أزمة الهجرة إلى ملف السيادة نفسه.
وفي المقابل، لا تزال مدريد تؤكد حاجتها إلى التعاون المغربي. وفي اليوم نفسه، وصفت المفوضية الأوروبية المغرب بأنه «شريك استراتيجي مهم»، وأشادت بالتعاون بين الرباط ومدريد في تدبير أزمة سبتة وإعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق البقاء في إسبانيا.
وبذلك تجد العلاقات المغربية الإسبانية نفسها أمام معادلة دقيقة: تعاون أمني واقتصادي متنامٍ من جهة، وخطوات إسبانية شديدة الحساسية بالنسبة للرباط من جهة أخرى.
وإذا تمت زيارة فيليبي السادس خلال الأسابيع المقبلة، فإنها لن تكون مجرد محطة بروتوكولية، بل أول اختبار حقيقي لمدى قدرة الرباط ومدريد على منع ملف سبتة ومليلية من إعادة العلاقات إلى أجواء الأزمات الدبلوماسية التي طبعت زيارة 2007.







