تحول ميناء طنجة المتوسط، إلى أحد أبرز منافذ إمداد روسيا بالبنزين عبر البحر، بعدما ارتفعت الشحنات المنطلقة منه نحو الموانئ الروسية إلى 96 ألف طن خلال شتنبر الماضي، في وقت تواجه فيه موسكو اضطرابات متواصلة في إنتاج المحروقات نتيجة الهجمات التي استهدفت منشآتها النفطية.
وكشف تقرير دولي حديث أن المغرب احتل المرتبة الثانية ضمن قائمة موردي المنتجات النفطية إلى روسيا عبر النقل البحري خلال شتنبر، خلف تركيا، بعدما استقبلت الموانئ الروسية 3 شحنات من البنزين انطلقت من محطة “هورايزون” (Horizon) للمحروقات بميناء طنجة المتوسط، ووصلت إلى مينائي سان بطرسبورغ ومورمانسك.
وأوضح التقرير، الذي أصدره “مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف” (CREA)، الجمعة 16 أكتوبر الجاري، أن بيانات شركة “كبلر” (Kpler) المتخصصة في تتبع حركة الشحنات البحرية، أظهرت ورود شركتي الطاقة الروسيتين “غازبروم” و”سورغوت نفط غاز” ضمن المشترين المسجلين للشحنات الثلاث.
ارتفاع متواصل للشحنات
وأظهرت المعطيات أن حركة البنزين المنطلق من الموانئ المغربية نحو روسيا سجلت ارتفاعا للشهر الثالث على التوالي، بعدما انتقلت الكميات من 39 ألف طن في يوليوز إلى 70 ألف طن في غشت، قبل أن تبلغ 96 ألف طن في شتنبر، بزيادة تقارب 146 في المائة مقارنة ببداية الفترة.
وبذلك بلغ إجمالي المنتجات النفطية المشحونة من المغرب نحو روسيا خلال الأشهر الثلاثة 205 آلاف طن، في مؤشر على تصاعد دور ميناء طنجة المتوسط ضمن مسارات الإمداد البحري التي لجأت إليها موسكو لتغطية احتياجات سوقها الداخلية من الوقود.
واستحوذت الشحنات المنطلقة من المغرب خلال شتنبر على نحو 41 في المائة من إجمالي واردات روسيا البحرية من المنتجات النفطية، التي بلغت 234 ألف طن، مقابل 416 ألف طن في غشت، بانخفاض قدره 44 في المائة.
وجاءت تركيا في المرتبة الأولى، بعدما استقبلت الموانئ الروسية 4 شحنات انطلقت من ميناء مرسين، بلغ مجموعها 130 ألف طن، بقيمة قدرت بنحو 94 مليون يورو، وشملت 3 شحنات من البنزين وشحنة من الغازوال.
وسجل التقرير تراجعا حادا في واردات روسيا من كوريا الجنوبية، التي انخفضت من 95 ألف طن في غشت إلى 8 آلاف طن في شتنبر، بينما لم تستقبل الموانئ الروسية خلال الشهر نفسه أي شحنات من الهند أو مصر، بعد توريدهما 160 ألف طن و55 ألف طن على التوالي في الشهر السابق.
ويعكس هذا التحول تغيرا في خريطة الموردين البحريين لروسيا، مع انتقال الجزء الأكبر من الإمدادات نحو موانئ في تركيا والمغرب، بعد الاعتماد خلال الأشهر السابقة على موردين آسيويين.
محطة طنجة في قلب حركة الإمدادات
وحدد التقرير محطة “هورايزون” بميناء طنجة المتوسط باعتبارها نقطة تحميل الشحنات الثلاث التي وصلت إلى روسيا خلال شتنبر، وهي منشأة متخصصة في تخزين المنتجات النفطية المكررة وتداولها وإعادة شحنها.
وبحسب المعطيات الرسمية للسلطة المينائية لطنجة المتوسط، تمتد المحطة على مساحة 12 هكتارا، وتتوفر على 19 خزانا بسعة تخزينية إجمالية تبلغ 532 ألف متر مكعب، فضلا عن تجهيزات لاستقبال ناقلات المحروقات وربط الخزانات بأرصفة الشحن والتفريغ.
وتتولى شركة “هورايزون طنجة تيرمينال” (HTTSA) استغلال المنشأة التي دخلت الخدمة في فبراير 2012، وتشمل أنشطتها استيراد المنتجات النفطية المكررة وإعادة شحنها وتزويد السفن بالوقود.
ولا تحدد بيانات التقرير المنشأ الأصلي للبنزين الذي غادر محطة طنجة نحو روسيا، إذ يعتمد تصنيف الموردين على موانئ تحميل الشحنات، وهو ما يميز الدور اللوجستي للميناء عن الإنتاج الفعلي للمحروقات.
كما لم يقدم التقرير تفاصيل بشأن القيمة المالية للشحنات المنطلقة من طنجة أو الشركات التي تولت بيعها قبل وصولها إلى المشترين الروس.
أزمة الوقود الروسية
وتأتي هذه التطورات بعد نحو 3 أشهر من كشف وكالة “رويترز”، في 31 يوليوز الماضي، عن وصول شحنة من البنزين تبلغ نحو 30 ألف طن إلى ميناء مورمانسك الروسي، بعدما حملتها ناقلة ترفع علم بنما من ميناء طنجة في منتصف الشهر نفسه.
ونقلت الوكالة آنذاك عن مصدرين في قطاع الطاقة أن الشحنة ضمت بنزينا من صنف “AI-92″، وأن شركة “لوك أويل” الروسية تولت توريدها، بالتزامن مع إجراءات اتخذتها موسكو لتعويض نقص إنتاج الوقود المحلي.
وكانت السلطات الروسية قد لجأت إلى استيراد البنزين من بيلاروسيا وكازاخستان عبر السكك الحديدية، قبل توسيع عمليات الاستيراد البحري، إثر الهجمات الأوكرانية المتكررة على مصافي النفط، وما ترتب عنها من انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار وفرض قيود على بيع الوقود في عدد من المناطق.
وبحسب البيانات التي أوردتها “رويترز”، تراجع إنتاج البنزين الروسي في بداية يوليوز إلى مستوى يعادل نحو 65 في المائة من متوسط الاستهلاك الصيفي، نتيجة تعطل منشآت التكرير، ما دفع الحكومة إلى البحث عن إمدادات خارجية لتخفيف الضغط على السوق.
ولفت تقرير “مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف” إلى أن واردات روسيا البحرية من المنتجات النفطية خلال شتنبر، رغم انخفاضها مقارنة بغشت، ظلت ثاني أعلى مستوى شهري مسجل منذ يناير 2022.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها بالنظر إلى أن متوسط الواردات البحرية الروسية من المنتجات النفطية لم يتجاوز 9 آلاف طن شهريا بين يناير 2022 ويونيو 2026، قبل أن ترتفع بصورة حادة خلال الأشهر الأخيرة.
ويضع هذا التحول ميناء طنجة المتوسط ضمن مسارات إمداد جديدة نشأت بفعل اضطراب سوق الوقود الروسية، بعدما أصبح يمثل، إلى جانب ميناء مرسين التركي، أحد المنفذين الرئيسيين للشحنات البحرية التي تستقبلها روسيا لتعويض النقص في المنتجات النفطية المكررة.







