حين يُطرح سؤال “ماذا بعد؟” بين صفوف شباب الجيل الجديد، لا يكون الجواب سهلا ولا موحدا. فالتحديات كثيرة، والطموحات أكبر، لكن ذلك لم يمنع من ظهور مؤشرات فعلية على توجّه جديد في التعامل مع قضايا الشباب، يقوم على الاستماع أولا، ثم الفعل لا القول.
في جهة طنجة تطوان الحسيمة، لم تعد السياسات العمومية مجرّد شعارات عابرة. بل بدأت تتحوّل إلى برامج ميدانية ملموسة، تُصاغ بتنسيق بين الفاعلين، وتُنفّذ في مواقع قريبة من المواطن. حيث تستهدف هذه البرامج فئات شابة ظلت لسنوات طويلة خارج نطاق الأولوية، لكنها اليوم تعود إلى مركز الانتباه.
التحول لا يتم بضغطة زر، لكنه بات ملموسا في مسارات متعددة: من التكوين المهني المتجدد، إلى المواكبة الميدانية الدقيقة، ثم إلى انفتاح تدريجي على شراكات دولية تفتح نوافذ أمام المبادرة الذاتية والانخراط في ديناميات أوسع من الحدود المحلية. وفي كل هذه المكونات، يبرز مسار جديد يستحق أن يُفهم، لا أن يُختزل.
وفي تتبّع هذه الدينامية، تبرز ملامح تحول لا يدعي تقديم حلول جاهزة، بل يطرح ما هو قائم بلغة أقرب لما ينتظره شباب الجهة: وضوح، واقعية، ومساحة للأمل المنطقي، لا الوعود المجانية.
تكوين حديث بمنطق جديد
بافتتاح مدينة المهن والكفاءات سنة 2024، دخلت جهة طنجة تطوان الحسيمة، مرحلة جديدة في التكوين المهني، تقوم على التجديد في التصور، وفي طريقة الاشتغال، وفي علاقة المتدرب بسوق الشغل الحقيقي. فهذه المنشأة ليست مجرّد فضاء تكويني، بل منصة لإعادة بناء الثقة في فكرة التكوين كمسار للنجاح، لا كحل اضطراري.
وتقدم المؤسسة عرضا متنوعا يضم 86 شعبة موزعة على قطاعات حيوية كالصناعة، الرقمنة، الفندقة، الصحة، الفلاحة، والصيد البحري.
وتستقبل مدينة المهن والكفاءات سنويا حوالي 3300 متدرب من كافة عمالتي وأقاليم الجهة. فكل شعبة صُممت بناء على دراسة لحاجيات سوق الشغل، مع اعتماد مقاربات تطبيقية تُفضي إلى مهارات قابلة للاستخدام الفوري.
وتكمن الميزة الكبرى لهذه التجربة في أن بيئة التكوين تحاكي فعليا محيط العمل، بفضل ورشات تطبيقية، مقاولات محاكاة، مختبرات رقمية، وخدمات استشارية تساعد المتدرب على الانتقال السلس نحو الحياة المهنية. كما يتم أيضا تحفيز التفكير المقاولاتي، عبر دعم المبادرات داخل الفضاء التكويني نفسه.
وبعيدا عن مدينة طنجة، يمتد عرض التكوين المهني إلى باقي أقاليم الجهة عبر 34 مؤسسة تابعة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، و24 مركزًا شريكا، إلى جانب وحدات متنقلة تصل إلى المناطق النائية.
مواكبة ذكية لمشاريع الشباب
وبعيدا عن الخطاب الكلاسيكي حول التشغيل، بدأت تظهر مقاربات ميدانية أكثر مرونة، تقوم على الاستماع والتوجيه الفردي، وتفتح المجال أمام المبادرات الذاتية.
فلم فكرة المواكبة مجرد مفهوم إداري، بل أداة فعلية لإطلاق مشاريع قابلة للحياة، خصوصا بين فئات لا تملك رأسمال ماديا، بل فقط فكرة وإرادة.
وهكذا اصبحت منصات الشباب التابعة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية حاليا نقاط التقاء بين الشباب الباحث عن فرصة، وبين مستشارين ومرافقين مؤهلين لتحويل الفكرة إلى مشروع. حيث تمتد خدمات هذه المنصات من التشخيص، إلى بناء خطة العمل، مرورا بالتكوين المالي، وانتهاء بإمكانية الحصول على دعم مالي موجّه.
في طنجة مثلا، تحولت منصة “كاستيا” إلى نموذج عملي لهذا التوجه. فخلال سنة 2025 فقط، استفاد العشرات من الشباب من دعم مباشر، بعدما خضعوا لمواكبة دقيقة في مجالات دراسة الجدوى، التسويق، التسيير، وحتى قانونية المشروع. هذه الدينامية خلقت روافد جديدة للتشغيل الذاتي، بعيدا عن انتظار فرص كلاسيكية قد لا تأتي.
المركز الجهوي للاستثمار بدوره يعزز هذا المسار، من خلال مواكبة ملفات المشاريع الصغيرة والمتوسطة. حيث تم دعم أكثر من 6200 مشروع خلال سنة واحدة، ليس فقط على المستوى الإداري، بل عبر دورات تكوينية قانونية ومالية، وربط مباشر مع شركاء محتملين في السوق. الأمر لم يعد مجرد معالجة ملفات، بل استثمار في الجيل القادم من المقاولين.
وفي الخلفية، تحتفظ الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك) بدورها المحوري، حيث تقدم برامج توجيه مهني، وعروض شغل محلية ودولية، ودورات لتقوية المهارات اللغوية والرقمية. وقد بدأت تستقطب شريحة أوسع من الشباب، خاصة في المجالات التي تتطلب مرونة مهنية عالية، كخدمات الرعاية، والمهن التقنية.
شراكات تفتح نوافذ العالم
وموازاة مع البرامج الوطنية، بدأت تتشكل شراكات دولية تحمل نفسا جديدا في التعامل مع طموحات الشباب المغربي، خاصة في جهات تعرف دينامية ديمغرافية واقتصادية مثل طنجة تطوان الحسيمة. هذه الشراكات لا تقتصر على التمويل، بل تدخل في عمق التكوين والمواكبة، وتربط المحلي بالكوني بطريقة ذكية.
ومن أبرز هذه المبادرات التعاون بين مجلس الجهة والوكالة الألمانية GIZ ضمن برنامج “POMIRE”، الذي يهدف إلى دعم إدماج الشباب، وخاصة العائدين من الهجرة، من خلال تكوينات متخصصة ومرافقة تقنية، تؤهلهم لإطلاق مشاريع أو إعادة الاندماج في سوق الشغل المحلي.
وفي بداية سنة 2025، جرى توقيع اتفاق مع ولاية ساكسونيا السفلى بألمانيا، من أجل ملاءمة التكوين المهني بالجهة مع متطلبات سوق الشغل الألماني.
ويشمل هذا الاتفاق خلق مسارات مهنية قانونية، خاصة في قطاعات تعرف خصاصا في اليد العاملة كالصحة، الصناعات الدقيقة، والخدمات التقنية.
كما أطلقت GIZ برامج دعم موجهة للتعاونيات الشبابية، تركز على تقوية القدرات التدبيرية، وتوسيع قنوات التسويق، وربط التعاونيات بمنصات رقمية تتيح عرض المنتجات على مستوى وطني ودولي.
وقد استفادت من هذه البرامج تعاونيات من أقاليم الحسيمة، شفشاون، ووزان، في ميادين الإنتاج المجالي والخدمات القروية.
واختُتمت سنة 2024 بمشاركة الجهة في فعاليات شبكة “مدن من أجل التشغيل”، التي احتضنتها مدينة طنجة. حيث لم يكن الحدث بروتوكوليا فقط، بل شكل ورشة تبادل خبرات بين مدن متوسطية، ناقشت كيف يمكن للتخطيط المحلي أن يخلق فرصًا تشغيلية حقيقية، وليس فقط برامج ظرفية.







