حذر مفكرون وباحثون الخميس في طنجة من تأثير الاستقطاب السياسي وشبكات التواصل الاجتماعي في تصاعد خطاب الكراهية، داعين إلى حماية الاختلاف وتعزيز قيم التعايش والكرامة الإنسانية.
وجاءت الدعوات خلال ندوة افتتحت الدورة العشرين لمهرجان “ثويزا” تحت شعار “دفاعا عن الحب في مواجهة الكراهية”، بمشاركة الوزيرة الفرنسية السابقة من أصول مغربية نجاة فالو بلقاسم، وعالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب، والباحث المغربي سعيد بنيس، وأدارها المفكر المغربي أحمد عصيد.
وتناولت المداخلات أثر الاستقطاب السياسي والمنصات الرقمية في تغذية خطاب الكراهية، إلى جانب انعكاسات اللامبالاة ورفض الاختلاف على العلاقات الإنسانية والتماسك الاجتماعي.
خوارزميات الغضب
قالت فالو بلقاسم إن العالم يشهد عودة واضحة للعنف، سواء من خلال الحروب أو الاستقطاب الحاد الذي يطبع الحياة السياسية في عدد من المجتمعات الديمقراطية.
وأضافت “يمكننا ألا نتفق على كل شيء، وأن نكون مختلفين بعضنا عن بعض، ومع ذلك نرغب في العيش معا والبحث عن أرضية مشتركة”، معتبرة أن هذا المسار أصبح أكثر صعوبة في ظل تعمق الانقسامات.
ورأت الوزيرة الفرنسية السابقة أن شبكات التواصل الاجتماعي لا تعكس فقط العنف المتصاعد في النقاش العام، بل تسهم كذلك في إنتاجه ونشره، بعدما جعلت الصدام والإهانة والتشهير والتضليل أنماطا مألوفة للتواصل.
وأوضحت أن آليات عمل المنصات الرقمية تمنح الأفضلية للمحتويات التي تثير الخوف والغضب، لأنها تزيد تفاعل المستخدمين ومدة بقائهم على الإنترنت، ما يتيح لشركات التكنولوجيا جمع مزيد من البيانات واستثمارها تجاريا.
وقالت إن الخوارزميات “لا تدفع بالضرورة إلى الواجهة الأفكار الأكثر ذكاء أو ابتكارا، بل المحتويات الأكثر عنفا وإثارة”، بما في ذلك الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة.
وحذرت من أن تأثير هذا النمط من التواصل لا يبقى محصورا في العالم الرقمي، بل ينتقل إلى النقاش السياسي والبرامج التلفزيونية والعلاقات اليومية، حيث حل البحث عن الصدام والانتشار السريع تدريجيا محل الاعتدال والتحقق من الوقائع.
وأضافت أن تطور الذكاء الاصطناعي زاد صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيف، وعزز قدرة المنصات على إنتاج المعلومات المضللة وإعادة نشرها.
كما أشارت إلى أن المستخدمين يجدون أنفسهم داخل ما يعرف بـ”فقاعات التصفية”، إذ تعرض عليهم المنصات بصورة متكررة محتويات تنسجم مع معتقداتهم السابقة، ما يقلل فرص الحوار مع الآراء المختلفة.
ودعت فالو بلقاسم السلطات العامة إلى تنظيم عمل شركات التكنولوجيا وإلزامها بقواعد تحمي النقاش العام والحريات الديمقراطية.
وقالت “يجب التوقف عن إعطاء كل مفاتيح حياتنا السياسية الديمقراطية إلى خمس شركات تتمتع بسلطة هائلة لم يقررها أحد ديمقراطيا”.
واعتبرت أن طريقة اشتغال المنصات الرقمية باتت تمثل خطرا على حرية التعبير والعيش المشترك، رغم تقديم هذه الشركات نفسها على أنها مدافعة عن الحرية.
اللامبالاة أخطر من الكراهية
من جهته، قال عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب إن الحب والكراهية جزء من الطبيعة البشرية، لكنه رأى أن اللامبالاة تمثل الخطر الأكبر على العلاقات الإنسانية والمجتمعات.
وقال “الضد الحقيقي للحب هو اللامبالاة”، مضيفا أنها قد تكون أخطر من الكراهية والعداء، ولا سيما عندما تتحول إلى سلوك جماعي.
وتناول لبيب علاقة الإنسان بذاته، موضحا أن الإفراط في حب الذات قد يتحول إلى نرجسية مرضية، فيما يعرقل كره الذات بناء علاقة سليمة مع الآخرين.
واعتبر أن الإفراط في “جلد الذات” داخل المجتمعات العربية يعبر عن موقف عدائي تجاه الذات، وينعكس على العلاقة بالآخر، ولا سيما الغرب، التي ظلت تجمع بين الإعجاب بتقدمه والعداء المرتبط بتاريخ الاستعمار.
وقال إن الثقافة العربية من أقرب الثقافات جغرافيا إلى أوروبا، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها اختلافا عنها، ما جعل العلاقة بين الجانبين تتأرجح بين الانجذاب والرفض.
وحذر لبيب أيضا من تصاعد الكراهية داخل المجتمعات العربية، معتبرا أن الخصومات التي تنتجها الأنظمة السياسية تنتقل أحيانا إلى الجماهير وتتجاوز السياسة إلى مجالات الرياضة والثقافة.
وأشار إلى مباريات كرة القدم التي تتحول أحيانا إلى مناسبة للتشفي في خسارة بلد عربي آخر، معتبرا أن هذه السلوكيات تعكس في بعض الحالات خلافات سياسية كامنة.
وأكد أن التعبير عن الحب والكراهية واللامبالاة يختلف من مجتمع إلى آخر، بحسب الثقافة والتقاليد والأنظمة الرمزية السائدة.
الاختلاف ليس دونية
بدوره، ربط الباحث المغربي سعيد بنيس الدفاع عن الحب بالدفاع عن كرامة الإنسان، داعيا إلى تدبير الاختلافات داخل المجتمع المغربي وفي العلاقات الخارجية من دون تحويلها إلى مبررات للتمييز أو الإقصاء.
وقال “الاختلاف ليس دونية”، معتبرا أن مواجهة الكراهية تقتضي رصد أشكالها الكامنة قبل تحولها إلى ممارسات مؤذية.
وأوضح أن خطاب الكراهية يقوم على استخدام لغة تمييزية أو تحقيرية أو هجومية ضد شخص أو مجموعة بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الجنس أو غيرها من العناصر المرتبطة بالهوية.
وأضاف أن مظاهر الكراهية تختلف بحسب السياقات، وقد تظهر في كراهية الأجانب والتنمر ونزعات الصفاء العرقي أو اللغوي والتشدد الديني.
ولفت إلى وجود تناقض متزايد بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، لخصه بعبارة “أحبك خطابيا وأكرهك سلوكيا”.
وحذر بنيس من “صناعة للكراهية” تقوم على تحويل العلاقات والاصطفافات إلى أسباب لإنتاج الخصوم، بحيث يصبح التقرب من طرف ما مبررا لمعاداة طرف آخر، حتى في غياب معرفة مباشرة به.
كما اعتبر أن الخوارزميات أكثر قدرة على تحريك مشاعر الكراهية والخوف من الأجانب من قدرتها على نشر الحب والتضامن.
وقال إن العلاقات الإنسانية باتت تخضع بصورة متزايدة لمؤشرات تقنية مثل “الإعجاب” و”عدم الإعجاب”، في وقت يتراجع فيه حضور القيم التي تجسد الحب والتعايش في السلوك اليومي.
وأشار إلى بروز علاقات عاطفية متغيرة وعابرة تحت تأثير العالم الرقمي، وإلى انتقال الكراهية من الحياة اليومية إلى الإنترنت بوتيرة متسارعة تدعمها الخوارزميات والأتمتة.
وتساءل بنيس عن دور الأسرة والمدرسة والجامعة والأحزاب في ترسيخ قيم التعايش، وما إذا كانت هذه المؤسسات لا تزال قادرة على بناء الروابط الاجتماعية أو أصبحت بعض فضاءاتها تعيد إنتاج خطاب الكراهية.
وانطلقت مساء الخميس فعاليات الدورة العشرين لمهرجان “ثويزا”، وتتواصل حتى 26 يوليو، ضمن برنامج يجمع الندوات الفكرية واللقاءات الثقافية والعروض الفنية في عدد من فضاءات طنجة.
وقال المدير العام للمهرجان عزيز أورود إن الدورة الحالية تؤرخ لعشرين عاما من العمل الثقافي، ومن الإيمان بقدرة الثقافة على بناء الإنسان وترسيخ الحوار والانفتاح.
وأضاف أن المهرجان أصبح خلال عقدين فضاء يجمع مفكرين وكتابا وفنانين من المغرب وخارجه، وأسهم في جعل طنجة ملتقى للأفكار والثقافات.
واعتبر أن اختيار شعار “دفاعا عن الحب في مواجهة الكراهية” ينطلق من كون الحب “ليس مجرد قيمة إنسانية، بل موقفا حضاريا في مواجهة كل أشكال التعصب والإقصاء والكراهية”.







