تتجه جهة طنجة تطوان الحسيمة إلى تعبئة موارد مالية إضافية لتعزيز الأطر التمريضية وشبه الطبية بالمؤسسات الصحية العمومية، في إطار جهود تستهدف تحسين خدمات المستعجلات ومعالجة الخصاص في الموارد البشرية، الذي لا يزال يؤثر على قدرة عدد من المستشفيات والمراكز الصحية على الاستجابة لحاجيات السكان، رغم الاستثمارات الموجهة لتوسيع العرض الاستشفائي.
وصادق مجلس الجهة على اتفاقية شراكة بقيمة 27 مليون درهم، تمتد من 2027 إلى 2029، تخصص بموجبها اعتمادات سنوية بقيمة 9 ملايين درهم للتعاقد مع أطر صحية إضافية، مع إعطاء الأولوية للمؤسسات التي تواجه صعوبات في ضمان استمرارية الخدمات بسبب نقص العاملين.
وتأتي الاتفاقية بعد نحو عام من بدء العمل بالمجموعة الصحية الترابية لطنجة تطوان الحسيمة، التي تتولى تدبير المؤسسات الصحية العمومية بالجهة، ضمن إصلاح يرمي إلى تحسين توزيع الموارد البشرية وتنسيق الخدمات بين المستشفيات والمراكز الصحية.
وتكشف المعطيات الإحصائية عن استمرار التفاوتات في توزيع العاملين بالقطاع الصحي، رغم ارتفاع أعداد الأطباء والممرضين خلال السنوات الأخيرة، إذ تستحوذ طنجة على النصيب الأكبر من الموارد الطبية بالجهة، بينما تواجه أقاليم أخرى، خصوصا شفشاون ووزان والفحص أنجرة، صعوبات مرتبطة بمحدودية الأطر الصحية.
وبحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغ عدد الأطباء بجهة طنجة تطوان الحسيمة 2988 طبيبا خلال سنة 2024، منهم 1511 في القطاع العمومي و1477 في القطاع الخاص، فيما وصل عدد الأطر التمريضية وشبه الطبية بالقطاع العمومي إلى 4203 أطر.
وتظهر البيانات نفسها تفاوتات في التغطية الطبية بين مختلف أقاليم الجهة، إذ تستحوذ عمالة طنجة أصيلة وحدها على نحو 65 في المائة من مجموع الأطباء، مقابل أعداد محدودة في الأقاليم ذات الطابع القروي، التي تواجه صعوبات إضافية مرتبطة بتباعد التجمعات السكانية ومحدودية الخدمات الصحية المتخصصة.
وكان مجلس الجهة قد خصص غلافا ماليا مماثلا بقيمة 27 مليون درهم خلال الفترة من 2024 إلى 2026، في إطار شراكة مع ولاية الجهة والمديرية الجهوية للصحة وودادية طنجة لطب المستعجلات، بهدف توفير موارد بشرية إضافية للمؤسسات الصحية العمومية.
وسبق أن اعتمد المجلس آلية مماثلة سنة 2019، من خلال اتفاقية بقيمة 23 مليون درهم موزعة على ثلاث سنوات، استهدفت توفير 150 إطارا تمريضيا بمختلف أقاليم الجهة، في محاولة للتخفيف من الضغط على المؤسسات الصحية وتحسين ظروف التكفل بالمرضى.
غير أن الاتفاقية الجديدة ستدخل حيز التنفيذ في ظل تنظيم مؤسساتي مختلف، بعدما انتقلت مسؤولية تدبير المؤسسات الصحية العمومية إلى المجموعة الصحية الترابية، التي أصبحت تتولى تحديد الحاجيات من الموارد البشرية وتنسيق عمل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية.
وكانت الحكومة قد اختارت جهة طنجة تطوان الحسيمة لإطلاق أول تجربة للمجموعات الصحية الترابية، في إطار إصلاح وطني يرمي إلى منح المؤسسات الجهوية صلاحيات أوسع في تدبير الموارد المالية والبشرية وتحسين التنسيق بين مختلف مستويات الرعاية الصحية.
وفي يونيو الماضي، أعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تسجيل ارتفاع بنسبة 10,94 في المائة في الاستشارات الطبية، ونحو 35 في المائة في العمليات الجراحية المبرمجة، وأكثر من 13 في المائة في الجراحات الاستعجالية، ضمن الحصيلة الأولية لعمل المجموعة الصحية الترابية.
وتتزامن الجهود الموجهة لتعزيز الموارد البشرية مع استمرار توسيع البنيات الاستشفائية بالجهة، بعدما شرعت وزارة الصحة في يونيو الماضي في تشغيل المستشفى الجهوي للتخصصات بتطوان، بطاقة استيعابية تبلغ 380 سريرا، وبكلفة إجمالية تجاوزت 805 ملايين درهم.
وعبأت الوزارة أكثر من 400 مهني صحي وإداري وتقني لتشغيل المؤسسة الجديدة، التي توفر خدمات طبية وجراحية متخصصة لسكان تطوان والمناطق المجاورة، في إطار برنامج يرمي إلى تحسين الولوج إلى العلاج وتخفيف الضغط عن المؤسسات الاستشفائية القائمة.
وتطرح هذه الاستثمارات تحديات تتعلق بتوفير الأطر اللازمة لتشغيل التجهيزات والمصالح الطبية، خصوصا في ظل الحاجة إلى ضمان استمرارية العمل بأقسام المستعجلات وتنظيم المناوبات الطبية والتمريضية بالمؤسسات التي تواجه نقصا في العاملين.
وبموجب اتفاقية التمويل الجديدة، ستتولى المجموعة الصحية الترابية تحديد احتياجات المؤسسات من الموارد البشرية والتكوينات المطلوبة، والمشاركة في انتقاء الأطر والإشراف على عملها، بينما ستتكفل ودادية طنجة لطب المستعجلات بإبرام عقود التشغيل وأداء الأجور والاشتراكات الاجتماعية والتأمينات.
كما ستخضع النفقات لتدقيق مالي، مع إلزام الودادية بتقديم تقارير مفصلة إلى مجلس الجهة، وتكليف لجنة مشتركة تضم الأطراف المعنية بتقييم تنفيذ الاتفاقية مرتين سنويا، ومتابعة مدى تحقيق الأهداف المرتبطة بتحسين الخدمات الصحية.
ولم تكشف المعطيات المعلنة عن عدد الأطر التي سيشملها البرنامج الجديد أو توزيعها المتوقع بين العمالات والأقاليم، كما لم تتضمن حصيلة تفصيلية للموارد البشرية التي جرى توفيرها بموجب اتفاقية التمويل السابقة.
ومن المقرر أن تغطي الشراكة الجديدة الفترة الممتدة من 2027 إلى 2029، في وقت تتواصل فيه جهود توسيع البنيات الاستشفائية وإعادة تنظيم تدبير القطاع الصحي بالجهة، وسط تحديات تتعلق بتوفير الموارد البشرية وتقليص الفوارق في الاستفادة من الخدمات العلاجية بين مختلف المناطق.







