تتوقف حافلة لنقل العمال في ساحة تافيلالت بحي بني مكادة الشعبي في طنجة، لتفرغ حمولتها من العاملات والعمال العائدين من نوبتهم في المنطقة الصناعية الحرة.
يتفرق الركاب بين من يتفقد هاتفه ومن يسارع نحو الأزقة المجاورة، فيما تودع إيمان (27 عاماً) زميلتيها وتمضي نحو منزل أسرتها.. انتهى يوم العمل في المصنع، لكن رحلة انتظار الوظيفة التي تليق بشهادتها الجامعية لم تنتهِ بعد.
تقول إيمان، الحاصلة على إجازة في القانون الخاص، لجريدة طنجة 24 الالكترونية: “دخلت المصنع على أساس أن أعمل فيه لفترة قصيرة، ريثما أجد وظيفة في مجال تخصصي. اليوم مرت خمس سنوات وما زلت هنا”.
حين تسلمت شهادتها الجامعية، لم تتخيل الشابة العشرينية أن تقضي سنواتها التالية أمام خطوط الإنتاج. أرسلت عشرات السير الذاتية وطلبات التوظيف إلى شركات ومؤسسات مختلفة دون جدوى، قبل أن ترضخ لواقع العمل في المصنع كحل مرحلي.
وتضيف بابتسامة مقتضبة: “كنت أقول لنفسي: سأصبر هذا العام فقط، ثم العام الذي يليه، حتى توقفت عن عدّ السنين”.
ومع مرور الوقت، خفت حماس إيمان للبحث عن بديل؛ فالراتب الذي تتقاضاه، وإن كان لا يلبي طموحها المهني، بات عصب التزاماتها اليومية ومساهمتها في إعالة أسرتها.
وتوضح: “ليس عيبا أن أعمل في مصنع، لكنني أحمل شهادة جامعية وأردت استثمار سنوات دراستي. المشكلة أنك تصبحين رهينة للراتب الشهري، وتخشين تركه والارتماء في المجهول”.
“مؤقت يدوم طويلاً”
وتشكل هذه الفجوة بين الطموح الأكاديمي والواقع المهني محور دراسة سوسيولوجية حديثة للباحثة المغربية سلمى كريمي، نشرتها مجلة “موند أراب” (Mondes arabes) العلمية في أيار/مايو 2026.
واستلهمت الباحثة عنوان دراستها من العبارة الشعبية المتداولة في المغرب “حتى يجيب الله ما أحسن” (ريثما يأتي الله بما هو أفضل)، لترصد من خلالها مسارات نساء حاملات لشهادات عليا يعملن في المناطق الصناعية الحرة بمدينة طنجة، بعدما دخلن المصانع كمحطة عبور مؤقتة سرعان ما تحولت إلى إقامة مهنية طويلة الأمد في وظائف لا تتطلب مؤهلاتهن.
على بعد خطوات من موقف حافلات العمال، تنتظر سناء (31 عاما) سيارة أجرة تقلها إلى منزلها. تحمل هذه الشابة دبلوما في التسيير الإداري، غير أنها تعمل منذ سبع سنوات في شركة صناعية، بعدما كانت تخطط للبقاء فيها بضعة أشهر فحسب.
تروي سناء: “في البداية، كنت أرسل السير الذاتية باستمرار وأقتطع من إجازاتي لاجتياز مباريات التوظيف. لكنني صرت أتساءل لاحقا: لماذا أفرط في وظيفة مضمونة جريا وراء سراب؟”.
تصمت برهة قبل أن تتابع: “سبع سنوات ليست بالزمن اليسير. زميلات الدراسة مضت كل منهن في طريقها، بينما بقيت أنا هنا”.
ورغم ذلك، لا تعتبر سناء سنواتها في المصنع وقتا ضائعا بالكامل، إذ منحها العمل استقلالا ماديا وخبرة ميدانية ومكنها من مساعدة أسرتها، لكنها تستدرك: “العمل علمني الكثير، غير أنه بصراحة ليس المكان الذي رسمته لنفسي حين كنت على مقاعد الدراسة”.
ضريبة الاستقرار العائلي
وتخلص دراسة كريمي إلى أن استمرار الخريجات في وظائف صناعية أدنى من كفاءاتهن لا يعود حصرا إلى شح الفرص في سوق الشغل، بل يتشابك مع التحولات الاجتماعية والأسرية التي تطرأ على حياة العاملات بمرور الزمن.
فالدخل الشهري الثابت يتحول تدريجيا إلى ركيزة لتغطية نفقات السكن أو إعالة الأسرة وتربية الأبناء، ما يجعل التخلي عن الوظيفة مغامرة غير محسوبة العواقب.
هذا الواقع تعيشه نادية (35 عاماً)، وهي أم لطفلين وحاملة لشهادة جامعية، أمضت تسع سنوات داخل المصنع.
تقول نادية: “قبل الزواج، كان قرار تغيير العمل يبدو سهلا. أما اليوم، فلدي أطفال والتزامات منزلية. إن غادرت المصنع ولم أعثر على بديل، فمن سيتكفل بكل هذه النفقات؟”.
وتضيف بنبرة حاسمة: “ما زلت أتمنى العمل بشهادتي، لكنني لا أملك ترف المغامرة. عليّ ضمان وظيفة أخرى قبل التفكير في المغادرة”.
مفارقة القطب الصناعي
تعكس هذه الشهادات الوجه الآخر لسوق الشغل في طنجة، التي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى قاطرة صناعية للمملكة بفضل توسع المناطق الحرة واستقطاب شركات عالمية، لا سيما في قطاع صناعة السيارات ومكوناتها.
ورغم أن هذه الطفرة الصناعية فتحت أبواب التشغيل أمام آلاف النساء ومنحتهن موارد مالية منتظمة، إلا أنها لم تردم الهوة بين الخريجات وطبيعة الوظائف المتاحة القائمة في أغلبها على اليد العاملة التنفيذية.
وتعزز الأرقام الرسمية هذه المفارقة؛ فبحسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط للفصل الثاني من سنة 2026، بلغ معدل التشغيل مقابل دخل بجهة طنجة تطوان الحسيمة 43,9%، ومعدل المشاركة في القوى العاملة 46,8%، فيما استقر معدل البطالة بالمفهوم الضيق عند 6,1%.
وعلى المستوى الوطني، لم يتجاوز معدل التشغيل مقابل دخل لدى النساء 15,4% مقابل 61,1% لدى الرجال، فيما بلغ معدل المشاركة في القوى العاملة 18,1% لدى النساء مقابل 66,5% لدى الرجال، وسجل معدل البطالة بالمفهوم الضيق في صفوف النساء 14,8%.
وفي حين لا تفصّل هذه الإحصاءات نسبة الخريجات اللواتي يشغلن وظائف دون مستواهن الأكاديمي، فإنها تبرز ضيق الخيارات المتاحة أمام النساء في سوق الشغل المحلي، حيث يصبح الرهان الحقيقي هو الانتقال من وظيفة تؤمّن لقمة العيش فحسب، إلى مهنة تمنح الشهادة الدراسية قيمتها الفعلية.
في ساحة تافيلالت، لا تتوقف حركة حافلات نقل العمال بين الأحياء السكنية والمناطق الصناعية؛ حافلة تفرغ مقاعدها وأخرى تمضي.
تستعد إيمان للعودة إلى منزلها، مدركة أنها ستستقل الحافلة ذاتها صباح الغد نحو المصنع كما اعتادت منذ خمس سنوات، متمسكة بشهادتها الجامعية وبأمل مؤجل.
وتختم قائلة قبل أن تتوارى في أحد الأزقة: “كل عام أقول لعل الحال يتبدل في السنة المقبلة.. لكنني إلى اليوم، ما زلت أنتظر حتى يأتي الله بما هو أفضل”.







